ابن عساكر
240
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
كان المعتصم يخرج ساعده إليّ فيقول : يا أبا عبد اللّه عضّ ساعدي بأكثر من قوّتك ؛ فأقول : واللّه يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك ؛ فيقول : إنه لا يضرّني ؛ فأروم « 1 » ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فضلا عن الأسنان . وانصرف يوما من دار المأمون إلى داره ، وكان شارع الميدان منتظما بالخيم ، فيها الجند ، فمرّ المعتصم بامرأة تبكي ، وتقول : ابني ابني ؛ وإذا بعض الجند قد أخذ ابنها ؛ فدعاه المعتصم وأمره أن يردّ ابنها عليها ؛ فأبى ، فاستدناه فدنا منه فقبض عليه بيده ، فسمع صوت عظامه ، ثم أطلقه من يده ، فسقط ، وأمر بإخراج الصّبيّ إلى أمّه . قال عمرو بن محمد الرّومي : كان على بيت مال المعتصم رجل من أهل خراسان يكنى أبا حاتم ؛ فخرجت لي جائزة فمطلني بها ، وكان ابنه قد اشترى جارية مغنّية اسمها قاسم ، بستّين ألف درهم ، قال : فعملت فيها شعرا ، وجلست ألاعب المعتصم بالشّطرنج في يوم الجمار ، وكان يشرب يوما ويستريح يوما ليلعب فيه ، ونلعب بين يديه ، فجعلت أنشده : لتنصفنّي يا أبا حاتم * أو لنصيرنّ إلى حاكم فتعطي الحقّ على ذلّة * بالرّغم من أنفك ذا الرّاغم يا سارقا مال إمام الهدى * سيظهر الظّلم على الظّالم ستّون ألفا في شرا قاسم * من مال هذا الملك النّائم ! فقال لي : ما هذا الشّعر ؟ فتفازعت كأني أنشدته ساهيا ، وتلجلجت ؛ فقال : أعده ؛ فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني ؛ وإنّما أريد أن يحرص على أن يسمعه ؛ فقال : أعده ويلك ؛ فأعدته ؛ فقال : ما هذا ؟ فقلت : أظنّ صاحب بيت المال مطل بعض هؤلاء الشّعراء بشيء له ، فعمل فيه هذا الشّعر ؛ قال : فما معنى قاسم ؟ قلت : جارية اشتراها بستّين ألف درهم ؛ قال : وأراني أنا الملك النائم ؟ صدق واللّه قائل هذا الشّعر ، واللّه لو عرفته لوصلته
--> ( 1 ) في البداية والنهاية : فأكدم بكل ما أقدر عليه فلا يؤثر ذلك في يده .