ابن عساكر
178
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر ، فكثرت رقاع الناس في خف أحمد بن الجنيد ، ولم يزل كذلك طلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر فقال له : قد كثرت رقاع الناس معي وأشغالك كثيرة ، وأنت اليوم خال ، فإن رأيت أن تنظر فيها . فقال له جعفر : على أن تقيم عندي اليوم ، فقال له أحمد : نعم ، فصرف دوابه ، فلما تغدّوا جاءه بالرقاع ، فقال له جعفر : هذا وقت ذا ؟ ! دعنا اليوم ، فأمسك عنه أحمد ، وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع . فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره « 1 » الرقاع فقال : نعم ، على أن تقيم عندي اليوم ، فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول ، حتى فعل به ثلاثا ، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال : دعني الساعة وناما ، فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له : اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه ، وانظر لا تعلم أحمد ، فذهب الخادم وجاء بالرقاع ، فوقّع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها ووكّد ذلك ، ثم أمر الخادم أن يردّها في الخفّ فردّها ، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ولم يقل له فيها شيئا ، وانصرف أحمد ، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما ، ثم قال لكاتب له : ويلك ، هذه الرقاع قد أخلقت في خفي ، وهذا - يعني جعفرا - ليس ينظر ، فخذها تصفّحها وجدّد ما خلق منها ، فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بمال سأل أهلها وأكثر ، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه ، وأنه قضى حاجته ولم يعلمه بها ، لئلا يظن أنه اعتدّ بها عليه . حدث مهذب حاجب العباس بن محمد ، صاحب قطيعة العباس والعباسة « 2 » قال : نالت العباس إضاقة ، وكثر غرماؤه والمطالبون له ، فأخرج سفطا فيه جوهر ، شراؤه ألف ألف درهم ، أعده ذخرا لبناته ، فحمله إلى جعفر بن يحيى ، فتلقاه جعفر وسط الصحن وجلس بين يديه ، فقال له العباس : نالني ما ينال الأحرار من الإضاقة ، وهذا سفط شراؤه علي ألف ألف درهم ، فأمر بعض تجارك أن يقبضه ويقرضني عليه خمس مائة ألف درهم ، فإذا وردت الغلة رددتها إليه ، وأخذت السفط ، قال : أفعل . وختم السفط ودفعه إلى غلام بين يديه ، وأوعز إليه بسرار ثم قال : الحاجة توافيك العشية وتتفضل بالغداء عندي ففعل ، فقال
--> ( 1 ) كذا ، وفي تاريخ بغداد : فذاكره . ( 2 ) الخبر رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 188 نقلا عن ابن عساكر ومختصرا في سير الأعلام 9 / 62 .