ابن عساكر
354
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
بذنوبهم فما بالنا ؟ ! فأوحى اللّه إلى دانيال : إنّي مخلّصهم ، فعطف عليهم بختنصّر فلم يقتلهم ، فلما أخرجوا صنمهم ليوم عيدهم ، دعوا هؤلاء العدّة من بني إسرائيل ، فقالوا لهم : اسجدوا لآلهتنا ، فقالوا : إنّ هذا ليس بإله نسجد له ، إنما هو خشب عملته الرجال ، فإن شئتم سجدنا للذي خلقه فاغتنموا خلافهم ليحرقوهم وليغيظوا بهم دانيال ، فكتفوهم ثم رموا بهم في تلك النار فباتوا فيها حتى أصبحوا ، فاطّلع بختنصّر عليهم من قصره ، فرأى فيها خمسة نفر في النار ، ورأى خامسهم خلقا عظيما له ريش ، فرأى النار قد عادت جليدا ، وإذا صاحب الريش يكنفهم ويلحفهم بريشه من برد الجليد ، فلما نظر بختنصّر إلى ذلك امتلأ رعبا ، فدعا قومه فقال : كم كنتم ألقيتم في النار ؟ قالوا : أربعة . قال : فإنّ معهم خامسا له ريش وهيبة وجسم لا يقدر قدرها . قالوا : ليس لنا به علم ، فدعا دانيال ، فسأله . فقال : هؤلاء الأربعة أعرفهم فمن الخامس صاحب الريش ؟ قال دانيال : الخامس الذي وكله اللّه بالظّل والبرد والثلج والجليد ، وهذه الخزائن بيده ، فأرسله إلى هؤلاء الفتية حتى صيّر النار جليدا حتى لا يضرّهم برد الجليد . وقيل : إن دانيال قال لبختنصّر لما سأله عن الخامس ، قال : ذاك جبريل بعثه اللّه إليهم يروّح عنهم ويؤنسهم ، وقيل : إن بختنصّر قال لدانيال : ألا أعلمتني حين عرض لهم فأحول بينهم وبين ما صنعوا بهم ! قال دانيال : حملني على ذلك الرفق بك لما أدخل عليك أهل مملكتك ووثقت لهم بنصر اللّه ، وأن اللّه لم يخذلهم ، وأردت أن يرى قومك عزة اللّه وسلطانه وكيف يعزّ أولياءه ، فأمر بهم فأخرجوا من النار . قال وهب : لما وقفوا بين يدي بختنصّر قال : كيف بتّم البارحة ؟ قالوا : بأفضل ليلة مرت علينا منذ خلقنا ، قال بختنصّر : وهي أفضل من لياليكم في بلادكم ؟ قالوا له : سبحان اللّه ومتى كنا نطمع في بلادنا ملائكة الرحمن أن يلحفونا بالريش ، ويردون عنا أذى البرد ، ويستغفرون لنا ، ويصافحونا ! فأمرهم أن يلحقوا بدانيال فأكرمهم ، فلم يزالوا حتى أتى على ذلك ثلاث سنين ، ثم إن بختنصّر رأى رؤيا أهول وأعظم مما كان رأى ، فأرسل إلى عظماء قومه ، فقال لهم : إني قد رأيت في مضجعي هذا ولم أتحوّل عنه رؤيا فيما يخيّل إليّ أشدّ من الأولى ، وخشيت أن يكون فيها هلاكي وهلاككم ، وذهاب ملككم وقد نسيتها فما ترون ؟ فجعلوا علة عجزهم دانيال ، فقالوا : إنك عمدت إلى أسحر العالمين فوضعته عند رأسك ، فهو يفزعك بسحره ، ويريك الأحلام لينال منك المنزلة والكرامة ، فشأنك وشأنه ، وقد عمّرت قبله زمانا لا ترى شيئا تكرهه . وأنت مستغن برأيك ، فأدخلت على نفسك هذا البلاء ، فقال لهم بختنصّر : أما عندكم غير هذا ؟ قالوا : لا . قال : اخرجوا عني ، ثم دعا دانيال ، فقال :