ابن عساكر
355
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
إنّي قد رأيت في مضجعي هذا ولم أتحوّل عنه رؤيا قد نسيتها هي عندي أعظم من الأولى فهل عندك علمها ؟ قال : نعم . قال : إذا فاقصصها عليّ ، قال دانيال : رأيت شجرة عظيمة أصلها ثابت وفرعها ذاهب في السماء ، في فرعها طير السماء كلّه ، وفي ظلّها وحوش الأرض وسباعها كلّها ، فبينا أنت تنظر إليها ، وقد أعجبك حسنها وعظمها وخضرتها ، والذي جمع اللّه في فرعها من الطير ، وفي ظلها من الوحوش ؛ إذ أقبل ملك يحمل حديدا كأنه الفأس على عاتقه ، وهو يؤمّ الشجرة ؛ إذ ناداه ملك من فوقه من باب من أبواب السماء فقال له : ما أمرك ربك في هذه الشجرة ؟ قال : أمرني أن لا أدع منها شيئا ، فناداه الملك من فوقه : إنّ اللّه يأمرك أن لا تستأصلها من أصلها خذ بعضها وأبق بعضها ، فنظرت إلى الملك قد ضرب رأسها بالفأس فانقطع منها بعض أغصانها ، وتفرّق ما كان فيها من الطير ، وما كان في ظلّها من السباع ، وبقي الجذع متغيّرا قد تغيّر حسنه وخضرته لا هيئة له . قال بختنصّر : هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها ؟ قال دانيال : أنت الشجرة ، وما رأيت في رأسها من الطير فولدك وأهلك وحشمك ، وما رأيت في ظلّها من السباع والوحوش فخولك وعبيدك ورعيّتك ، كانوا في ظلّك وملكك ، وقد أغضبت اللّه فيما بايعت هؤلاء عليه من عمل هذا الصنم ، فإنهم لن يأتوا بمثل اللّه أبدا ، فذكر اللّه بك عندما أراد من هلاكك فصفح عنك ، ثم رأيت الملك وقد همّ أن يستأصل الشجرة من أصلها ، فناداه الآخر من فوقه أن يأخذ منها ويبقي منها ، وكذلك يصنع اللّه بك يأخذ منك ويبقي . قال بختنصّر : وكيف يفعل بي ؟ قال : يبتليك ببدنك ، يعرّفك به قدرته ، فلا يدع صورة مما خلق وأخرى فيها الروح إلّا مسخك فيها ، فلبثت في ذلك البلاء سبع سنين ، ولو شاء أن يجعل ذلك في أوشك من طرفة عين لفعل ، ولكن ليطول عليك البلاء ويعرفك أنه ليس لك من دونه وال ، ولا يملك لك أحد معه شيئا ، ثم لا يحوّلك في صورة من تلك الصور إلّا كنت ملك ذلك الجنس وتعلوه وتقهره ، فإذا انقضت السبع سنين رجعت إنسانا كما كنت أول مرة ، فقال بختنصّر : فهل يقبل ربك مني توبة أو فدية أو رجعة ؟ فقال : لا ، حتى يعرّفك قدرته وينفذ قضاءه فيك . قال : فلما قال هذا اعتزل ملكه وأهله ووكّل ابنه ، وأمره أن يكون السائس دانيال ، وأغلق عليه أبوابه وقعد يبكي على نفسه ، فمكث في البكاء سبعة أيام ، فلما غمّه البكاء ظهر فوق بيته يتروّح من غمّ ما هو فيه ، فساعة ظهر أنبت اللّه له ريشا وزغبا ، وجعل له مخاليب ومنقارا ، فصار عقابا ، ثم ذهب يطير فلا يقوم له طير في السماء إلّا قهره ، وتحدّث به أصحاب النّسور الذين يصيدون الطير فقالوا : إنه حدث في السماء طير عظيم على صورة العقاب لا يقوم له شيء ولا يطيقه إنسان ، ثم حوّله