ابن عساكر

344

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

بخت‌نصر : هي أرزاق ، قال : فأخبرني عن اسمك حتى أخبره بحالك فيعطيك كما يعطي غيرك ، قال : اسمي بخت‌نصر . قال : فلما انصرف الغلام إلى سيده فأخبره بما رأى . قال دانيال : هذا بغيتي وأسرّ في نفسه ، وانطلق معه غلامه إليه . فقال له : ما اسمك ؟ قال : اسمي بخت‌نصّر ، وأنا غلام يتيم من أهل بيت شرف ، ولكن انقلب علينا الزمان وأصابتنا الشدة فعجزت أمي عني فألقتني هذا الموضع . قال : فأمر غلامه فغسله وطيّبه وكساه ، ثم حمله حتى جاء به إلى أمه ، وأجرى عليها حتى برأ وصحّ ، وكان قبل أن ينزل به المرض يخرج مع أتراب له إلى البراري فيحتطب ، فكانوا يؤمّرونه على أنفسهم فيحتطبون له ، ويحملونه فيما بينهم حتى ينتهوا إلى القرية ، فيحتزمون له حزمة فكان يدخلها السوق فيبيعها ، فكان منها معيشته ومعيشة أمه ، فلما صحّ قال له دانيال : يا بخت‌نصّر هل تعلم أنّي قد أحسنت إليك ؟ قال : نعم . قال : فما رأيك إن وصلت إليّ مكافأتي هل أنت مكافيّ ؟ قال : يا سيدي هل صنع أحد بأحد إلّا دون ما صنعت بي ، ومن أين أقدر على مكافأتك ! قال : أخبرني إن ملكت يوما من الدهر بابل وغزوت بلاد بني إسرائيل فلي الأمان منك ولأهل بيتي ؟ قال : نعم . غير أنّي أظن أن هذا منك استهزاء ! قال دانيال : لا بل هو الجدّ مني . قالت أمه : يا سيدي ، إن كان الذي تقول حقا فأنت الملك وهو تبع لك ، فقال دانيال : أتكتب لي كتابا أمانا لي ولأهل بيتي يكون كتابك علامة بيني وبينك وبين أهل بيتي وأعطيك عشرين ألف درهم ؟ قال : نعم . قال : فكتب له بخت‌نصّر كتابا أمانا بخط يده ولأهل بيته ، وجهز بالذهب ، وأعطاه دانيال عشرين ألف درهم ، ثم ودّع الملك ولحق ببلاده ، فعمد بخت‌نصّر ففرّق تلك الدراهم في الغلمة الذين كان يترأس عليهم ، فكساهم واشترى لهم الدوابّ ، وكان ظريفا كاتبا أديبا ، فانطلق إلى سنحاريب « 1 » الملك ، فانتسب له ولزم بابه في أصحابه ، فكان يوجّهه في أموره وكان مظفّرا حتى بدا لسنحاريب أن يغزو بيت المقدس ، فبعث جواسيسه يأتونه بخبر الأرض ، فانطلق بخت‌نصّر فركب حمارا ثم جاء حتى دخل على الملك ، فقال : أيها الملك إنك تبعث عيونا إلى أرض بني إسرائيل فأحبّ أن أنطلق أنا بنفسي ، فإني أنا أعلم منهم بالأمر الذي تدرك به حاجتك . قال له الملك : ألا أعلمتني فكنت أستعملك عليهم ، ولكن امضه . فمضى حتى

--> ( 1 ) الذي في تاريخ الطبري : صيحون ، ملك فارس ببابل .