ابن عساكر

248

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بأنطرسوس « 1 » ، فلما أن صلى العتمة « 2 » قام يصلي على الحائط ، فاستفتح ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فطفت الحائط كله ، ثم رجعت إليه ، فإذا هو لا يجاوز إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . ثم رجعت فنمت ليلتي جمعاء ، فلما كان السحر قبل انشقاق الفجر مررت بأحمد بن أبي الحواري ، وهو يقرأ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فلم يزل يرددها من العتمة إلى الصبح « 3 » . قال عبد اللّه بن أحمد ابن أبي الحواري : كنا نسمع بكاء أبي بالليل حتى نقول قد مات ، ثم نسمع ضحكه حتى نقول قد جنّ . قال الحسن بن حبيب : سمعت أبي يقول : خرجت مع أحمد بن أبي الحواري إلى رباط بيروت ، فلم تزل الهدايا تجيئه من أول النهار إلى نصف النهار ، ثم أقامني ففرقها إلى أن غابت الشمس ، وقال لي : كن كذا يا حبيب لا تزد على اللّه ولا تدخر عنه « 4 » ، فلما كان في الليل خرجت معه إلى سور البلد ، فسمع الحارس يقول : قل لزين الحنان : ردّ السلام ، فصاح وسقط ، وقال : قل لكل قلب يلحق حيث يشاء . قال أحمد بن أبي الحواري : دخلت على بعض المتعبدين أعوده ، فقلت : كيف تجدك ؟ فقال : بحال شريفة ، أسير كريم في حبس جواد مع أعوان صدق ، واللّه لو لم يكن مما ترون لي عوض إلّا ما أودع في قلبي « 5 » من محبته لكنت حقيقا على أن أدوم على الرضى عنه ، وما الدنيا وما غاية البلاء فيها ؟ هل هو إلّا ما ترون بي من هذه العلة ؟ وأوشك لئن استبد بي الأمر قليلا لترحّلني إلى سيدي ، ولنعمت علة رحلت بمحبّ إلى محبوب قد أضرّ به طول التخلف عنه .

--> ( 1 ) في معجم البلدان أنطرطوس ، وهي بلدة من سواحل بحر الشام . ( 2 ) يعني صلاة العشاء . ( 3 ) الخبر في سير أعلام النبلاء 10 / 85 ( ط دار الفكر ) . والبداية والنهاية 7 / 365 ( ط دار الفكر ) . ( 4 ) رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 364 ( ط دار الفكر ) ( حوادث سنة 246 ) . ( 5 ) في أصل مختصر ابن منظور : في قلبه .