الحسين بن نصر ابن خميس
29
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
الصّافي ، فعليك بطرسوس « 1 » ؛ ففيها العمل الكثير والمباحات . فتوجّهت إليها ، وحصدت بها ، ونظرت البساتين ، فبينا أنا يوما أنظر بستانا ، وقد أقمت فيه مدّة ، إذا أنا بخادم صاحب البساتين ، قد أقبل ومعه جماعة ، فجلس وقال : يا ناطور . فقلت : هو ذا أنا . قال : اذهب ، فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه ، وأطيبه . فذهبت ، فأتيته بأكبر رمّان ، فأخذ الخادم رمّانة ، فكسرها ، فوجدها حامضة ، فقال لي : يا ناطور ، أنت في بستاننا منذ كذا وكذا تأكل فاكهتنا ورماننا ، ولا تعرف الحامض من الحلو ؟ ! قال : فقلت : واللّه ، ما أكلت من فاكهتك شيئا ، ولا أعرف الحامض من الحلو . فأشار الخادم إلى أصحابه ، وقال : أما تسمعون كلام هذا ؟ ! ثمّ قال : أتراك لو أنّك إبراهيم بن أدهم . ما زاد على هذا . ثمّ انصرف ، فلمّا كان من الغد ، ذكر صفتي في المسجد ، فعرفني بعض النّاس ، فجاء الخادم ومعه جماعة كثيرة ، فلمّا رأيتهم مقبلين اختفيت خلف الشّجر « 2 » ، والنّاس داخلون ، فاختلطت معهم ، ثمّ هربت منهم ، ثمّ خرجت من طرسوس بعد ذلك « 3 » . وقيل : صحب إبراهيم بن أدهم رجل ، فلمّا أراد أن يفارقه ، قال له الرّجل : إن رأيت فيّ عيبا فنبّهني عليه . فقال إبراهيم : إنّي لم أر فيك عيبا ، لأنّي لا حظتك بعين الوداد ، فاستحسنت منك ما رأيت ، فاسأل غيري عن عيبك « 4 » . وقال شقيق البلخي : لقيت إبراهيم بن أدهم ببلاد الشّام ، فقلت : يا إبراهيم ، تركت ملك خراسان ، وأقمت ههنا ؟ فقال : ما تهنّيت بالعيش إلّا بالشّام ، أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق ، ومن جبل إلى جبل ، فمن رآني يقول : موسوس ، ومن رآني يقول : حمّال . ثمّ قال : يا شقيق ، لم
--> ( 1 ) طرسوس : مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب . معجم البلدان . ( 2 ) في ( أ ) : خلف الشجرة . ( 3 ) حلية الأولياء 7 / 368 ، المختار 1 / 213 ، تاريخ دمشق 6 / 284 . ( 4 ) الرسالة القشيرية 418 ( الصحبة ) .