ابن بسام

99

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وجميعها عندي في نهاية من الضّعف [ 67 ] والتّخلّف والتّبرؤ من صنعة الشعر ، يبغي بها توشيح هذا المشهد الجليل الذي قيلت فيه [ 1 ] ، ينظمها في عقده ، فلم أسعده على ذلك ترفيعا به عن هجنتها ، وتبرئة لنقدي على استجابة سبكها ، ومذمّة لزمن غفل أقحم قائلها في زمرة الشعراء ، وجسّره على إنشاد جلّة الأمراء . وطالما عنّاني هذا الرجل بذكر ابن خليفة هذا وإنمائه إلى النّسبة المصرية ، وعزوه له إلى المعارف الحكمية ، وأنا أحسبه مصريّ التربة ، متطارح الغربة ، مستطيرا على بعد النّجعة ، مرهف الحدّ ، محتنك التجربة ، أرتاح لذكره وأودّ لقياه والأخذ عنه . فأبرزه الفحص لي قرطبيّ التّربة ، محاليّ الحومة ، سوقيّ الحرفة ؛ ابن جار لي من تجار الخفّافين يسمّى خليفة ، عجميّ نبز الأب ب « المورتة » مفجوء الميتة [ 2 ] منذ سنوات قليلة . لم أعهد ابنه هذا يرتسم بأدب ، ولا يسعى لطلب ، إلى أن رمت به النّوى قريبا إلى بلاد العدوة [ 3 ] لابتغاء المعيشة ، فأطال بها الثّواء ، ولقي الفهماء ، وتقيّل الجسراء ، فكرّ إلينا على زعمه مصريا صليبة ، وأديبا باقرة [ 4 ] ، وشاعرا باقعة ، وحكيما نطيسا ، وظريفا ممتعا . كلّ ذلك من غير طول رياضة ، ولا تقدمة معرفة . وما إن يستنكر لقاسم الفضائل بين خلقه أن يجمع منها لواحد ما فرّق في جماعة ، له القدرة البالغة والحكمة القاهرة . ( وفي فصل له في ذكر الشعراء ) قال ابن حيّان : وصار من مناكيد ذلك الصّنيع الملحقة به عيب التقصير عدمه لحذّاق من الشعراء يجيدون القول فيه ، ويحسنون وصفه ، فيوفّون المبدع له حقّه . إذ ألوى ببقاياهم الزمن العصيف المطاول للفتنة ، وجاء بأشباه له من شعراء متكلفين مثل الخازباز المضروب مثلة [ 5 ] ، يهينمون بما لا ودق له من سمائهم [ 6 ] ، ويفرغون في قوالب تضيق عن إفراغهم ، ويجهدون في حشو قوافيهم دون إرهاف للفظ ولا استنباط لمعنّى ،

--> [ 1 ] ص : قوبلت به . [ 2 ] ص : مفجوا الممتة : والمعنى أن ميتته أدركته فجأة ( منذ سنوات قليلة ) . [ 3 ] سيذكر ابن بسام في ترجمته أنه رحل إلى مصر ، ثم عاد إلى الأندلس « وقد نشأ خلقا جديدا » . [ 4 ] ص : بقرة . [ 5 ] يشير إلى قول المتنبي : ومن الناس من يجوز عليه * شعراء كأنها الخازباز والخازباز : حكاية صوت الذباب . [ 6 ] ص : ورق . . أسمائهم .