ابن بسام
100
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فلا يسرّون ناقدا ، ولا يهزّون ممترى [ 1 ] ، ولا ينشطون راويا . وأشقّ ما على الحائز لهم غلظهم في أنفسهم ، واستقصارهم لمن امتدحوه في إخلاله وقعوده بهم ، وهي لو عقلوا أقعد وأضيق وأقصر وأعكس . فيا ويحهم ما ذا عليهم في الإنصاف من أنفسهم والاعتراف بتقصيرهم ، أليس ذلك كان أولى بهم ؟ فما أحسن قول : « لا أدري » بمن يدري فضلا بمن هو بضدّها تصاب مقاتله . فلو قلّدوا الزمن دءولهم ، وولّوه نقصهم ، واعترفوا لبلواه ، لكان أعذر لهم . فجلس لهم المأمون متخذ تلك المدعاة الفخمة في مرتبته ببرطيل [ 2 ] المجلس الموصوف في أبّهة / فخمة ورتبة [ 3 ] كاملة مع كبار أهل مملكته من أذواء الوزارات المثنية [ 4 ] والمفردة ، ومن أصحاب الخطط العليّات ، وأذن لتلك الحلبة من شعراء [ الحضرة ] [ 5 ] من طارئ وقاطن ، وهم نفر عير منوّه بهم ولا بأسمائهم ، ولا تجانس [ 6 ] برواتهم ، فدخلوا إليه على هيئتهم يقدمهم شيخهم المقدّم من جماعتهم ذلك اليوم . محمد بن شرف القيرواني [ وغيره ممن ذكره ابن حيان ] محمد بن شرف القيرواني القريب عهده بقصعته ، فأذن لهم بالإنشاد بحسب تطبيقهم ، فتقدّمهم ابن شرف فأنشد قصيدة أوّلها : « يريني الهوى أنّ الهوى ليّن سهل » ، ما إن هي لا حقة بعيون شعره ، أطال فيها التّشبيب فخلص إلى التهنئة ، وقد استفرغ القريحة وطوّل فما أتى بطائل . ثم تقدّم بعده البائس عبد اللّه بن خليفة الأندلسي المتمصّر بزعمه ، فيا بؤسى لسابق صلّى بعده ! فأنشد قصيدة ملفّقة ، ذات طنين وقعقعة ، كثّر أبياتها ، وقلّل أقواتها ، أولها : « أرى أثلاث الجزع بالوصل تورق » تركه المأمون أيضا يتصرّف بها ، ما إن هزت [ 7 ] منه عطفا ، ولا أبدت له بسما . وقام بعده محمد بن زكي الأشبوني ، فأنشده شعرا أوّله : « اليوم أبهج منبر وسرير » ركب فيها سنن من قبله . ولحق ابن ذي النون سآمة من كلف يومه ، فأمر بأخذ بطائق جميع من حضره من الشعراء ، وأسلمها إلى / وزيره الأثير يومئذ عبد الرحمن بن مثنّى [ 8 ] كي يتصفّحها بفضل أدبه ، ويطبّق قائلها بحسب معرفته ،
--> [ 1 ] ص : ممتريا ، وقد تقرأ « ممتدحا » . [ 2 ] المشهور في الاستعمال « برطل Portal » . [ 3 ] لها وجه مقبول ، ويمكن أن تقرأ « وزينة » . [ 4 ] الأصوب أن يقال : المثناة . [ 5 ] بياض في الأصل ، وما بين معقوفين زيادة تقديرية . [ 6 ] اللفظة غير معجمة في ص . [ 7 ] ص : همت . [ 8 ] وردت ترجمة أبي المطرف ابن مثنى في القسم الثالث : 409 ، يضاف إلى مصادر ترجمته هنالك إعتاب الكتاب : 215 وفيه أن أبا المطرف كتب أولا للمنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر