ابن بسام
98
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
طيوريّة [ 1 ] جوامد وباردة ، وصنوفا من المصوص [ 2 ] والأشربة والطباهج [ 3 ] ، موائد مترعة اتخذوها بسطا لنبيذهم . ثم انثنوا إلى الشراب ونفوسهم به صبّة ، وقد مدّت ستارة الغناء لأهل الحجاب ، ونظّمت نوبة المغنّين زمرا ، فهاجوا الأطراب ، واستخفوا الألباب ، ونقلوا الطّباع فجاءوا بأمر عجاب ، بذّهم فيه سابق حلبتهم ، المحسّد من / جماعتهم ، الإسرائيليّ ذيّ ، الزائد إحسانه على إبراهيم الموصليّ ، صديق إبليس ، الظريف في [ 4 ] فتنته ، وتخايله بالماخوريّ المكنون [ 5 ] ، الذي اغتدى في باطله نسيج وحده ، يزدهي العيدان جسّه ، ويخرس الأطيار شجوه . قاتله اللّه من آخذ بالقلوب ! فطربوا وطرب المأمون ليلتئذ على وفور حلمه . وكان الذي غنّاه فيها ذيّ صوتا شجيا ، لحنه من خفيف الرّمل ، مطلق بالخنصر ، في مقطوعة نظمها عبد اللّه بن الخليفة الملقّب بالمصري ، وهي : باكر لبكر الدنّان إنّ * هداء العروس في السّحر واشرب عقارا [ 6 ] تخال حمرتها * تحرق أيدي السّقاة بالشّرر فإنّ يحيى أحيا بدولته * ما قد محاه تصرّف القدر ملك هو الدهر في عزيمته * يطلع فينا بطلعة القمر فطمح بابن ذي النّون الإطراب ، حتى حنّ حنين النّاب ، وخلع لوقته عليه ثوبا من التّستري الأخضر مطرزا بالذهب ، ووصله بمائتي دينار ذهبا ، ثم فضّ الصّلات والخلع في سائر الطبقات . هذا آخر خطاب ابن جابر إليّ بوصف ذلك الإعذار ، وجمله التي بسطتها من إدماجه ، وسبكتها من نقده . خلا أنه سامني ذكر مقطوعات / حشا بها كتابه إليّ ، من صنعة صديقه عبد اللّه بن خليفة المصريّ [ 7 ] ، تعاور المغنّون في تلك الليلة الغناء بها ،
--> [ 1 ] ص : طنورية ، واستبعد أن تكون لغة في « تنورية » إلا أن يكون ذلك وهما من الناسخ . ثم إن الأطعمة التنورية لا تكون جوامد أو باردة ، ولعلها أن تقرأ « طيفورية » أي موضوعة في أطباق غير مسطحة . [ 2 ] المصوص : طعام قيل إنه لحم ينقع في الخل ويطبخ . [ 3 ] الطباهج : أنواع من الطعام أساسها اللحم المقلو ( انظر كتاب الطبيخ : 133 ) . [ 4 ] ص : من . [ 5 ] ص : ومحاباه بالماحور في المكنون ؛ والماخوري لون من النغم ، وتعد الأنغام الماخوريات من خفائف الثقيل الثاني . [ 6 ] ص : عمارا . [ 7 ] سيترجم له ابن بسام في ما يلي ( الورقة : 120 ) .