ابن بسام

65

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وثلاثين . حكى ذلك أبو عليّ ابن رشيق وقال : إنه أول من أدخل كتاب اليتيمة للثعالبيّ عندهم ، وشهد حصار القيروان معهم . فلما كان عام ستّة وأربعين صرف المعزّ خطبته إلى صاحب مصر ، ونبذ العبّاسية [ 1 ] . فخرج أبو الفضل إلى سوسة ، فتطاول عليه أهلها ، فخرج عنهم بعد أن أوقع الفتنة بينهم ، وتركهم فرقتين : قيسيّة ويمنيّة ، وأوقع في نفوسهم أنّ الحرب قائمة بين هاتين القبيلتين إلى يوم القيامة . فاقتتل الفريقان إلى أن تغلّب عليهم تميم بن المعزّ . وتردّد أبو الفضل هنالك عدّة سنين ، وشهد الحروب مع بلقّين [ 2 ] . ثمّ انتبذ من تلك الناحية ، وركب البحر فنزل بدانية ، فبعث إليه أميرها ابن مجاهد بلحم وأرباع دقيق أول نزوله ، فصرفها في وجه رسوله ، وتعجّل الارتحال عنه إلى بلنسية فلقي برّا . واستجلبه المأمون ابن ذي النون فحسن بطليطلة مثواه [ 55 ] وأجزل قراه ، وتوسّع له ولعبيده في البرّ ، وأجرى له ستين مثقالا في الشهر . وكان دخوله طليطلة / يوم الجمعة لثلاث بقين لجمادى الأولى أربع وخمسين ، وتوفّي بها رحمه اللّه منتصف شوال سنة خمس وخمسين . ومن غريب وفاء المأمون له - زعموا - أنّه استمرّت جرايته على حاشيته ، وتجافى عن ميراثه وجعله وصيّة له إذ لم يوص لفجأة وفاته . ورثاه الحكيم أبو محمد ابن خليفة [ 3 ] بشعر يقول فيه [ 4 ] : سقى اللّه قبرا حلّ فيه أبو الفضل * سحابا يسحّ المزن وبلا على وبل وكيف يسقّي المزن قبرا يحلّه * وفي طيّه بحر المكارم والفضل وبدر تمام من تميم نجاره * ملوك لهم قام الملوك على رجل ومنها : وما الدّهر إلّا آكل من نفوسنا * ونحن لديه في الحقيقة كالأكل وهذا كقول المعرّي [ 5 ] : وما الأرض إلّا مثلنا الرزق تبتغي * وتأكل من هذا الأنام وتشرب

--> [ 1 ] يبدو أن ابن بسام ينفرد بهذا الخبر . [ 2 ] هو بلقين بن محمد بن حماد من الحماديين أصحاب القلعة ، تولى سنة 447 ( أعمال الأعلام 3 : 87 ) . [ 3 ] هو عبد اللّه بن خليفة القرطبي ، وسترد ترجمته في هذا القسم : 342 . [ 4 ] الشعر في معالم الإيمان 3 : 196 . [ 5 ] اللزوميات 1 : 63 .