ابن بسام
53
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
والعامريّ ؛ وأشاعوا عنه أنّه يريد أن يستبدّ بالأمر ، فقام ابن أبي عامر في ركائبه لحسم حدّته ، وعلم أنّه أتى [ 1 ] من حاشية القصر ، وكان به عدّة من الخدم ففرّقهم ومزّقهم ، ولم يدع في خدمة القصر إلّا من استشعر له رهبة وهيبة ، وأذكى العيون مع ذلك عليهم حتى ملك نفوسهم ، ثم نظر في شدّ الأموال المختزنة فيه مذ عهد الخلفاء ، ووصف أن أيدي الحرم تنبسط عليها . قال ابن حيان : أخبرني ولد الخال من بعض ما كانت تفعله السيدة صبح مع أخيها رائق أنها أخرجت عند تمكّن الوحشة بينهما وبين ابن أبي عامر مائة كوز على أعناق الخدم الصقالبة مختومة ، قد صيّرت أشطارها ما لا عينا ذهبا وفضّة ، وموّهت على ذلك كلّه بالمري [ 2 ] والشّهد وغير ذلك من الأصباغ الرفيعة المتّخذة بقصر الخلافة ، وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك . ومرّت بصاحب المدينة فحسبها كما كتبت عليها . وكان في تلك الكيزان ثمانون ألف دينار . فأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أنّ الخليفة مشغول عن حفظها بانهماكه بالعبادة ، وأنّ في تضييعها على المسلمين وعلى الدولة أعظم الآفة . فرأت الجماعة أنّ كون الأموال بيد المنصور أسلم ، وهو على حفظها أقدر وأقوم . ثم نالته على ذلك بقيّة علّة طاولته فأرجفوا به ، فانتقل ابنه عبد / الملك إليه بالزاهرة لينفّذ الأمور عنه . فكشف أعداؤه وجوههم عند استحكام الإرجاف به ، وراسلوا حاشية الخليفة هشام سرّا ، وجهّزوا للقيام عليه ؛ فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم [ 49 ] . واشتدّ [ ذلك ] على ابن أبي عامر ، فتقدّم إلى ابنه عبد الملك أن يعترض ألفي فارس من المصطنعين للدولة والغلمان العامريين ، وأن يبيتوا معه بالزاهرة لإنفاذ العزيمة فيما رآه من حمل الأموال إليه . وأحكم الأمر مع الفقهاء والوزراء ، فركب ذلك الجيش من بين يديه يوم الثلاثاء الثالث من جمادى الأولى سنة ست وثمانين . فأتى قصر الخلافة بقرطبة ، وأذن لمن وافى من الفقهاء والوزراء بالوصول إلى مجلسه ، وشافههم في ذلك ، فاعترف الملأ بفضل أبيه المنصور ، فقال لهم عبد الملك : إنّ قوما ممّن يتصل بأسباب الخليفة هشام يؤثر الفتنة ويكره الدّعة . فأنكرت الجماعة ذلك . وأحبّ عبد الملك الوصول بهم إلى مجلس هشام ليشافهوه بهذه الكروب العظام ، فكره هشام ذلك وامتنع منه وتبرّأ منه
--> [ 1 ] ص : أوتي . [ 2 ] المري ( Muria ) : أنواع من مستحضرات تتخذ في صنع الأطعمة منها المري النقيع والطيب ومري الخبز ومري الحوت وبعض أنواعه يصنع من عصير العنب بالأفاويه دون خبز محرق ( انظر صفحات متفرقة من كتاب الطبيخ ومفردات ابن البيطار 4 : 149 ، وقاموس دوزي مادة « مري » والحاشية 4 ص 92 من النفح ج 3 ) .