ابن بسام

54

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أعداء ابن أبي عامر ؛ وانصدع جمعهم على انتقال المال ، فنقل في ثلاثة أيام حتى استنفد جميع ما ظهر عليه من بيت المال ، وتعذّر ما كان بجوف القصر من بيت مال الخاصّة ؛ ودافع عنه أهل الدار لقيام السيّدة أمّ هشام دونه . أخبرني أبي بعظيم ما شاهده من صرامة تلك المرأة لابن أبي عامر وولده ورميها [ 1 ] لهما بكلّ عظيمة ، وعبد الملك يومئذ ساكت يتجرّع غصصه ، لا يردّ كلمة . فبلغ عبد الملك رغبته ، وانكفأ إلى أبيه بالزاهرة بعد أن ثقّف القصر ، فسكن جأش ابن أبي عامر بإحراز تلك الأموال ، / وكان جملة ما حمل - زعموا - من الورق خمسة آلاف ألف دينار دراهم قاسمية ، ومن الذهب سبعمائة ألف جعفريّة . ثم استبلّ المنصور ، ووصل إلى مجلس الخليفة هشام مع ابنه عبد الملك وسائر عظماء الدولة ، فخلا هشام مع ابن أبي عامر واعترف له بالفضل والاضطلاع بالدولة ، فخلا هشام مع ابن أبي عامر واعترف له بالفضل والاضطلاع بالدولة ، فخرست ألسنة الحسدة . وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له ، إذ كان منهم من لم يره قطّ ، فأبرزه للناس وركب ركبته المشهورة ، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلّا من أحصى آجالهم ، في بهجة ولبوس وهيئة ، معمّما على الطّويلة ، سادلا للذّؤابة ، والقضيب في يده ، زيّ الخلافة ، وإلى جانبه المنصور راكبا يسايره ، وقدّامه الحاجب عبد الملك راجلا يمشي ، ويسير الجيش أمامه ، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريّين والعامريين ما عجب من كثرتهم . وفاة المنصور بن أبي عامر قال ابن حيان [ 2 ] : وخرج المنصور إلى الغزاة ، وقد وقع في مرضه الذي مات منه في صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة . واقتحم أرض جليقية من تلقاء مدينة طليطلة ، ومرضه يخفّ وقتا ويثقل وقتا . ونفذ على عمل بني غومس إلى أرض قشتيلة ، بلد شانجه / بن غرسية . وهو كان مطلوبه الذي ألّب عليه الجماعة . فأحلّ الغارات بأقطاره فقويت عليه العلّة هنالك ، فاتّخذ له سرير خشب ودّع عليه أعضاءه ، وسوّي مهاده متطاول الشكل يمكنه الاضطجاع عليه متى خارت قواه . وكان يحمل سريره على أعناق الرجال ، وسجفه

--> [ 1 ] ص : ورميه . [ 2 ] قارن بالنفح 3 : 93 .