ابن بسام
424
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
بمناقبها قبائل غسّان ، فلو شاهد أهل جفنة [ 1 ] جفانها ، وأهل جبلة بن الأيهم ضرابها وطعانها ، لعلموا [ 2 ] أنّ اللّه أتاح السماحة والبسالة ملكا منهم يحفظ ما ضيّعه الناس من عهودها ، ويسرّح ما ذخروه من نقودها ، فما يزيد المدح مناقبه ضياء ، ولا مراتبه اعتلاء ، وإنما هو في ذلك كالمسك يطيب بنفسه [ 3 ] طبعا ، ويزيد المحارض [ 4 ] تضوعا ونشرا ، وإن أطال العبد في نشر فضائلها مقوده ، واستخدم في ذلك لسانه ويده ، فإنما هو كمن يوقد في الشمس ذبالا ، ويهدي إلى الفرات نطافا أو شالا ، والذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ، يجعل أمداد [ 5 ] النعيم على / الحضرة مغدقة ، ووفود المواهب بساحاتها محدقة ، ويمتع الدنيا بمحاسنها التي يتطامن لها ذوو الأبصار ، وتتأرّج تأرّج القطر في جميع الأقطار . وله من أخرى : فولجت منزلا قد استعار من قلب العاشق حرّا ورهجا ، ومن أخلاق مالكه ضيقا وحرجا [ 6 ] ، كأنما زفرت فيه النار ، ونقّط على جدرانه [ 7 ] بالقار ، فجلست طويلا إلى أن حضر الإخوان ، وقدّم الخوان ، فرأيت أرغفة قد أحكمت في الصّغر والإلطاف ، ولم تتعوّذ قطّ من الأضياف ، قد مرّت عليها أيام ، وعنيت بقول ابن بسّام [ 8 ] : أتانا بخبز له يابس * كمثل الدراهم في خلقته إذا ما تنفّست عند الخوان * تطاير في البيت من خفّته وثلاثة صحاف ، واسعة الأكناف ، بعيدة الأوساط من الأطراف ، قد جعل في قرارة كلّ منها ما [ لا يدفع السّغب ، ولا تجده [ 191 ] اليد إلّا بالتّعب ، فجلنا جولة وعينه تطرف علينا شمالا ويمينا ، وتتفقّد منا حركة وسكونا ، وقمنا ولم نقارب الكفاف ، وقد ظنّ بنا
--> [ 1 ] جفنة : الغسانيون . [ 2 ] ص : العلم . [ 3 ] ص : لنفسه . [ 4 ] كذا في ص ، ولعله : ويزيد في المجامر . [ 5 ] ص : امتداد . [ 6 ] ص : وحربا . [ 7 ] ص : ولقط على جدراته . [ 8 ] هو عليّ بن بسام البغدادي ( - 302 أو 303 ) وقد مرّ ذكره في عدة مواطن من الذخيرة ، انظر مصادر ترجمته في القسم الأول 142 ( الحاشية 3 ) .