ابن بسام
425
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الإسراف ، فحضرنا مجلس المعاقرة فأديرت علينا قهوة قد خصّت باللون الكدر ، وكثّرت بالماء الخضر [ 1 ] : كالمهل تغلي في البطون لو أنها * يوما تعدّ لكافر لم تحرم فحسونا أوّلا وثانيا ، وكرعنا منها حميما آنيا ، وقلنا لعلّ ما يحضر من الملهيات يصلح فاسدها ، وينفّق كاسدها ، ولم يكن بأسرع من أن افتتحت قينة يحرم لها السماع ، وتستلذّ الصمم الأسماع : تكدر صفو الراح في شدوها * وتنفر الأنقار [ 2 ] من ضربها لم تكن العلجة مطبوعة * بل كان مطبوعا على قلبها فسمعنا ولأمر اللّه سلّمنا ؛ فحين جرّ الظلام علينا الذّيل [ 3 ] ، وغشّى النهار الليل ، زفّت إلينا خريدة رأسها مقطوع ، ووسطها مشعوب مرقوع [ 4 ] ، قد حفظت عن عاد عهده ، واستعارت من يأجوج قدّه ، تبص كعيون الجنادب ، وتضيء في الظلماء كنار الحباحب ، فقوّضنا خياما ، وسكرنا همّا لا مداما ؛ فالحمد للّه الذي صدّ مولاي عن هذا المقام ومنعه ، وحمى عمّا حضرناه مستمعه . وله من أخرى إلى نفيس الدولة يستدعيه : أنا - أدام اللّه تمكّن مولاي - كالماء تتفرّق أجزاؤه فيلتئم ، وكعرق الفصاد تمزّقه المباضع [ 5 ] فيلتحم ؛ وذلك أنه - أدام اللّه عزّه - ارتدّ عن شريعة الوداد ، ودان في دين المحافظة بالإلحاد ، واستعمل [ من ] الجفوة ما ينفّر الطّرف عن هجوعه ، ويوحش الصدر من صحبة ضلوعه ، فقسوت عليه أيّاما ، وأوسعته [ 6 ] في النفس ملاما ، ووجدت طعم السلوة طيّبا ، والصبر من الصّبر عنه ضربا ، وتشخّصت لي أخلاقه مرّة المقاطف ، خربة المكاسر والمعاطف : وإذا أفاق الجحد واندمل الهوى * رأت القلوب ولم تر الأحداق
--> [ 1 ] الخضر : يريد ماء فيه طحلب ، للمبالغة ، وإلا فقد تقرأ : « الخصر » . [ 2 ] ص : الأنفار . [ 3 ] ص : جرى . . . الليل . [ 4 ] ص : مشغوف مرفوع . [ 5 ] ص : المضابع . [ 6 ] ص : وأزمعته .