ابن بسام
422
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ونجدا ، ونظم في ترائب الأيام منها عقدا ، ولا زالت مننه لذوي الآداب قاطرة ، وعراصه بلطائم الثناء عاطرة ، يتغاير النثر والنظم على مدائحه ، وتفيض على العافين غروب مواهبه ومنائحه . ولما اعتزم العودة إلى ذلك الظلّ المديد ، والعيش الرغيد ، زوّدته هذه الرقعة مستدعيا له الزيادة من كرم العادة ، والحظوظ السّنية المستفادة . ومن أخرى : أنبئت - أطال اللّه بقاء مولاي - بشيء أنا فيه مكذّب ومصدّق ، ومدافع ومحقّق ، واحتجت بحكم ذلك إلى مطالعته ، وعلم كنه حالته [ 1 ] : فالخلّ كالماء يبدي لي ضمائره * مع الصفاء ويخفيها مع الكدر عرفت أن هذا الراقص البغدادي قد رفض مودته خلفا ، وسلك به من الخلافة [ 2 ] عسفا ، فوصله وهجر ديوانه ، وأرضاه وأسخط خلّانه ، واستبذل فيه مصونا من قدره ، واستذلّ عزيزا من تأتّيه وبرّه ، وصار يهب النفس بلمسة [ من ] إهابه ، وجميع سقي النيل برشفة من رضابه ، وينشد إذا تراكضت خيول اللهو واللعب ، وغلظ عليه قول اللاحي المؤنب : غزال تمتعت في قربه * ونازعني الكأس حتى غلب إذا ما تنفّس في نومه * تنفّس عن مثل ما قد شرب فيا ليل ليتك لا تنقضي * ويا صبح ليتك لا تقترب فوجدت واللّه من إشناعة هذه الحال ما يجده الخائف غاب واقيه ، والسليم عدم طبيبه وراقيه ، خوفا على جاه مولاي أن يميل ، ويشنع فيه القال والقيل ، فيصل إليّ من المصاب بذلك ما يعشي الناظر ، ويخذل الناصر ، لا سيّما والنسب حظّه من الشرف الخطير ، وقسطه من الإعظام والتوقير ، والصغير يعدّ به كثيرا ، والحصاة تحسب معه ثبيرا ، ولو كان مولاي مدّ على هذه السقطة سجفا ، وشرب ذلك العقار مزجا لا صرفا ، لجاز أن تخفى القصّة ، وتنساغ قليلا هذه الغصّة ، فالعقل نعم الرقيب ، والليل نهار الأديب [ 3 ] . ويجب أن يتحقّق مولاي أني ما أطلقت هذه اللفظة إلا وقد حصر الكتمان ،
--> [ 1 ] كنه حالته : قراءة تقديرية ، إذ هذا الجانب من الصفحة قد طمس . [ 2 ] الخلافة هنا بمعنى الخلاف . [ 3 ] قوله : « الليل نهار الأديب » فيه إشارة إلى قصة ليحيى البرمكي حين بلغه أن ابنه الفضل قد تشاغل باللذات عن -