ابن بسام

41

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

حسين قال : سألت الذي تولّى قتل ابن الجزيريّ في محبسه فجعل يصف لي سهولة ما عاناه منه لقضافته وضعف أسره ويقول : ما كان الشقي إلّا كالفرّوج في يدي ، دققت رقبته بركبتي فما زاد أن نفخ في وجهي . فعجبت من جهل هذا الأسود . رجع ما انقطع : وكان صاعد قد طولب في أخريات تلك الدّولة ، وانتهت به الحال ، إلى أن أغرم في خبر طويل مائة مثقال ، فاستغاث عليّ بن وداعة [ 1 ] أحد الفرسان الأبطال ونبهاء الدولة - كان - في ذلك الأوان ، وكتب إليه رقعة قال فيها : إني على وهني ، وما أخذه الدهر مني ، ونحته من قدحي ، لأربأ بالفضل أن ينحطّ إلّا في مصابه ، ويحلّ رحله في غير معانه . فلم أحوّم على أحد طير رجائي ، ولا رمقت بأملي إلّا من نوّه اللّه باسمه ، وناسب بين أحواله ، وشابه بين خلاله ؛ فسبحان من جعل سنانك عدل لسانك ، وبيانك كفء طعانك ، فالألسن تتنادم على وصفك ، والقلوب تعاقر خمرة حبّك ، خبيثة أذاعها اللّه منك ، وذخيرة أبرزها الدهر بك . وما زلت في الأيام التي تعرفها منقّبا عن محاسنك ، بحّاثا لآثارك بالعدوة وذواتها ، ومقارعتك الأهوال ، ومماصعتك الأبطال ، عاركا بجنبيك شوكة [ 43 ] الأسنّة ، ومناجيا أطراف الأعنّة ، فأذكر بك صعاليك العرب وذؤبانها ، وشعراء الفرسان وغربانها ، كعنترة وزيد الخيل ، وأنت بهمة [ 2 ] السريّة وقرن الكتيبة ؛ وغارة قومك من سليم على فزارة ونذيرها يهتف : أتيتم يا فزارة ! هذه سليم والموت ! وأنا ابن عمّك من ربيعة ، إذ هي وسليم أحلاف ، فالعدنانيّة تلفّنا ، / والنسب يضمّ شعبنا . وفي البلد من وترني فاستقاد منه لساني ، وظلمني فانتصر لي حماة كلماتي [ 3 ] ، فأرسلتها فيه شعثا قباحا ، موروثة في الأعقاب خالدة على الأحقاب ، أشرد من نعامة ، وألزم له من طوق الحمامة ، فهو يبغيني الغوائل ، ويبثّ لي الحبائل . ومن شعره فهو : أبا حسن ربيعة من سليم * سنان زان عالية الرماح وإني عائذ بك من هنات * نحتن دعائمي نحت القداح

--> [ 1 ] أبو الحسن السلمي ، علي بن وداعة ، وصف إلى جانب البطولة بالأدب البارع والشعر الرائع ، انظر : الجذوة : 297 ، وترجم له ابن الأبار في الحلة 1 : 282 ونقل بعض ما جاء هنا في الذخيرة . [ 2 ] ص : يمين . [ 3 ] ص : كماتي .