ابن بسام
405
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وأساس وثيق ، لم تجزعها [ 1 ] الشّبهة المرمضة ، ولم تزلزلها الأباطيل [ 2 ] / المعترضة ، وإن تناقلتها ألسن مختلفة ، وعلتها برود من اللفظ مفوّفة ، ولما رأيت زيارة مولاي قد صارت مرقّعة ، وجنوب [ 3 ] مودّته قد عادت مروّعة ، وصرت أرى قوله متناقضا ، وماء البشر من وجهه غائضا ، من بعد ما عهدته [ 4 ] : تنبي طلاقة وجهه عن وجهه [ 5 ] * فتكاد تلقى النّجح قبل لقائه وضياء وجه لو تأمّله امرؤ * صادي الجوانح لارتوى من مائه لم أتجاسر على سؤاله عن العلّة خوفا أن يعيب عليّ الارتياب بودّه ، وتطرّق سوء الظنّ على عهده ، فسألت من يعلم دفائنه ، ويخبر ظاهره وباطنه ، فأخبرني أنّ بعض الناس - ولم يسمّه - نقل إليه عنّي ، فشنّ الغارة على وفائه ، وزلزل أواخي ودّه وإخائه ، فقلت : عتب واللّه ولا ذنب ، وشكاية ولا نكاية ، وأنا أحاكم مولاي إلى إنصافه لا إسعافه [ 6 ] ، وعدله لا فضله ، وما كان أجدره برفض قول الماحل [ 7 ] ، وتغليب الحقّ على الباطل ، ولا يرى نفسه بصورة من تستخفّ حصاته الريح الخافقة ، وتشعّث من مودّته الأقوال الماذقة ، ولو انتقضت عندي المعاقد ، وقامت عليّ - أعوذ باللّه - الشواهد ، لكان مولاي حريّا أن يجري في كرم اللقاء على العادة ، ويتأدّب بقول أبي عبادة [ 8 ] : أبيت على الخلّان إلا تحنّيا * يلين لهم قلبي [ 9 ] ويصفو لهم شربي وإني لأستبقي الصديق إذا نبا * عليّ وأهنا من خلائقه الجرب [ 10 ]
--> [ 1 ] تجزعها : تدخل عليها الجزع . [ 2 ] ص : الأباطل ، وجمع باطل عند سيبويه « أباطيل » ، وعند غيره أن أباطيل جمع أبطولة ؛ وقد تردّ « أباطيل » إلى « أباطل » لحاجة الشاعر ، ولا ضرورة لذلك هنا . [ 3 ] ص : وشيوب ؛ وتقول العرب للاثنين إذا كانا متصافيين ريحهما جنوب ، قال الشاعر : لعمري لئن ريح المودة أصبحت * شمالا لقد بدلت وهي جنوب [ 4 ] ورد البيتان التاليان في الخريدة : 15 . [ 5 ] الخريدة : وده . [ 6 ] ص : لإسعافه . [ 7 ] ص : القول الماجل ؛ والماحل : الساعي ، ومحل به : كاده بسعاية إلى السلطان . [ 8 ] هو البحتري ، والبيتان في ديوانه : 150 . [ 9 ] الديوان : عطفي . [ 10 ] أهنا : مخفف من أهنأ أي أطلي بالقطران .