ابن بسام

406

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والآن فقد أوضعت وأوجفت ، وتألّفت مولاي واستعطفت ، فإن عادت ظلال ودّه مديدة ، وحبال كرمه محصوفة [ 1 ] جديدة ، فحسن بتلك الشمائل ، أن تجمع شمل الفضائل ؛ وإن تمادى على هذه الهجرة ، ولم يصح من نشوات تلك السّكرة : فما ذاك من ذنب عليّ اجترمته * إليه فيجزيني به حيث أعلم ولكنّ إنسانا إذا ملّ صاحبا * وحاول صرما لم يزل يتجرّم واللّه جلّت قدرته يجعل حفظ المودة عنده أوجب الحقّين ، وأنفع العلقين ، ويرفعه عن السّمة بنقض المرائر ، وحلية الجائر الغادر . وسافر بعض إخوانه فشغل عن وداعه فكتب إليه : ما أخّرني عن خدمة مولاي بالوداع أنّي متأخّر في حلبة ولائه ، ولا عار من ملابس إخائه وآلائه ، ولوددت لو صحبت ركابه السعيد إلى الصعيد ، وقطعت معه عرض المهمة البعيد ، وزوّدت من مجاورته قلبا معمورا بودّه ، ومن مشاهدته طرفا لا صبر له من بعده . وإنما حجزني أمران كلّ منهما يمهّد العذر ويبسطه ، [ ويمحو ] [ 2 ] الذنب ويحبطه ، وهو شغلي في إنشاء التقليد [ العليّ ] [ 3 ] وتحريره ، وفعل ما أمرت به الحضرة السامية وتقريره ، ثم خوفي أن أرى مولاي وقد حلّ انطلاقه ، وأسمع [ أن قد حان فراقه ] ، ونعق غراب بينه فقضّ أضلعا ، وأفاض نفوسا وأدمعا ، فضعفت عن مشاهدة ذلك المقام ، وقصرت [ عن تحمل ذلك ] الداء العقام ، وظللت أنشد ، والدموع همّع ، والفؤاد مصدّع : وأخرني [ 4 ] يوم انطلاقك أن أرى * على جمرات البين [ قلبي يلذّع ] فؤاد إذا قيل الفراق تساقطت * خفوقا أواخي صبره [ 5 ] تتقطّع وإني صليب العود في كلّ حادث * ولكنّ أعوادي [ لنأيك خروع ] وإذا استنقذ البين هذه النوبة ، وخفقت بمشيئة اللّه رياح الأوبة ، وهبت وجهي للشحوب ، وجسمي للنّصب واللغوب ، وهتمت ثنايا الأرض إيضاعا وإرقالا ، وجعلت مسافة اللقاء لمسافة الوداع أميالا ، وأطلت شكر الزمان على ما يجدّده لي من مسرّة قد

--> [ 1 ] ص : مقصوفة ؛ والحبل المحصوف أو المحصف هو المحكم الفتل . [ 2 ] بياض في ص . [ 3 ] ما يرد بين معقوفين حتى آخر القطعة سببه عدم ظهور الكلمات في أواخر الأسطر ، في هذه الصفحة . [ 4 ] ص : وأخبرني ، ولعلها أن تقرأ أيضا : « وأحزنني » . [ 5 ] صبره : قراءة تقديرية ، وصورة الكلمة في الأصل تشبه : « هزة » .