ابن بسام
40
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
على أن يضبط الأمر لنفسه باسم الطّفل مولاه ، على رسم كافور الذي ذكرناه . ثم رأى المظفّر أن يخرج عسكرا إلى شرقيّ الأندلس لإنفاذ [ 1 ] ما فيه من الأطعمة ، فهشّ فتاه طرفة لذلك ، وسأل مولاه أن يخرج معه عيسى الوزير وقد أسرّ الإيقاع به ، فأجابه مولاه لذلك ؛ فأخذ في التجهّز وأسرف فيما أتاه ، ولم يبق من وجوه القوّاد وصنوف العدد والحلي وكرائم النجائب عند مولاه إلّا ما لا قدر له حتى صار في أبّهة الملوك . وأخذ الوزير عيسى في الخروج معه ، فتثاقل له ، وأحسّ بالشرّ في صحبته ورام الانفراد بالمظفّر في ذلك ، فلم يمكنه لضبط طرفة باب مولاه ؛ فألقى عيسى بنفسه إلى مفرّج صاحب مدينة الزاهرة ثقة المظفّر واستغاثه لمحنته . فوصّل له رقعة إلى المظفّر شرح فيها مراد طرفة . عند ذلك أتى [ طرفة ] من مأمنه واستعفى الخروج جملة [ 2 ] ، فلم يساعفه مولاه . فنفذ لطيّته ، والعجب يقوده والحين يسوقه . وخلا وجه المظفّر لعيسى بعده ، وذكر له أشياء حنق بها على طرفة . وتعجّل المظفّر الخروج إلى غزوته إثر طرفة ، وفي قلبه من عيسى النار المتضرّمة ، وعيسى أعلم الناس بنفاقه ، وأحبّهم في سفك دمه . فلما صار عبد الملك إلى بعض الطريق دبّر عيسى على ابن الجزيريّ أن ينصرف إلى الحضرة ليحصل / قبض بقايا الخراج والنفقات ، ولم يحسّ بما دبّر عليه وعلى صاحبه . فلما وصل المظفّر سرقسطة ، وطرفة مرتقب قدوم مولاه على مقربة منها ، دخل في أبّهته وتعبئته وصار إلى قصر مولاه مدلا بمنزلته ، فعدل به عن مجلسه ولم تقع عين المظفّر عليه ، وقيّد لوقته ، وأخرج إلى الجزائر الشرقيّة . فلم يكن بين دخوله سرقسطة أميرا وخروجه عنها أسيرا إلّا ساعة . واتّخذ الناس حديثه عجبا . ثم أنفذ المظفّر إلى الحضرة بضمّ عبد الملك الجزيريّ إلى المطبق بالزّاهرة . وكتب عيسى الوزير إلى مفرّج العامريّ وإلى عبد الملك بن مسلمة ، وكانا من أعداء ابن الجزيري ، وحرّضهما على إبادته ؛ فأدخل عليه في مطبقه قوم [ 3 ] من السّودان وخنقوه ، وأشيع موته ، وأخرج ميتا بعد أيام ، وأسلم إلى أهله ولا أثر به ، ودفن في شوال سنة أربع وتسعين . فصرع منه - رحمه اللّه - يومئذ فارس نثر ونظام ، ومزّق بقتله وشي الكلام . وكان يشبه في ذكائه وأدبه مع عقربيّة الطبع ، وكثرة الضرّ وقلة النفع ، محمد بن الزيّات في ذلك الصّقع . أخبرني أبي خلف بن
--> [ 1 ] ص : لإنفاق . [ 2 ] ص : معه . [ 3 ] ص : قوما .