ابن بسام

380

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ولما طلع نجم [ 1 ] النحوس ، بملك [ 2 ] المعز بن باديس ، وخرج إلى المهدية بسماء كاسفة الأقمار ، وذماء أقصر من ظمء الحمار ، كان أبو علي ممن انحشر في زمرته المحروبة ، وتحيز إلى فئته المفلولة المنكوبة ، فأقام معه بها أنفة من الجلاء ، وإشفاقا من فرقة الأحبّة والخلصاء ، وغشي المهدية أسطول الروم فأصبح البحر ثنايا ، تطلع المنايا ، وآكاما تحمل موتا زؤاما ، فدخل يومئذ على تميم [ 3 ] حين وضح الفجر ، وقد تمّ الذعر ، وضاق ذات الصدر ، فوجده في مصلّاه والرقاع عليه ترد ، والشمع بين يديه يتّقد ، فقام على رأسه ينشد قصيدته التي أولها : تثبت لا يخامرك اضطراب * فقد خضعت لعزّتك الرقاب فقال له : مه ، أحال عهدك أم تغير ، أم قد أدبر بك الزمان في ما أدبر ؟ ويلك ! متى عهدتني لا أتثبت ؟ إذا لم تجئنا إلا بمثل هذا فمالك لا تسكت عنّا ؟ وأمر بالرقعة التي كانت فيها القصيدة فمزّقت ، ولم يقنعه ذلك حتى أدنوها إلى السراج [ 4 ] فأحرقت ، فخرج ابن رشيق يومئذ من عنده على غير طريق ، لا يعقل ما يطأ ، ولا يدري إلى أين ينكفئ ، وكان وجهه إلى صقيلية ، وكان ابن شرف قد سبقه إليها ، ووفد قبله عليها ، وكان وقع بينهما بالقيروان ، [ ما وقع ] بين الخوارزميّ وبديع الزمان ، من مناقضات ومعارضات ، شحذت الطباع ، وملأت العيون والأسماع ، وتجاوزت الإحسان والإبداع ، فلما اجتمعا يومئذ بصقلّيّة تنمّر بعضهما لبعض ، وتشوّف أعلام البلد لما كان بينهما من إبرام ونقض ، وقصد ابن رشيق / بعض إخوانه وقال له : أنتما علما الإحسان ، وشيخا أهل القيروان ، وقد أصبحتما بحال جلاء ، وبين أعداء [ 5 ] ، والأشبه بكما ألّا تفريا أديمكما ، ولا تطعما الأعداء لحومكما ، فقد كان يحميكما السلطان ، ويمحو كثيرا من مساويكما الإخوان ، فقال له : ائت ابن شرف فخذ عهده بذلك ، فلست أنا أراجعك فيما هنالك ، فأتاه وكان امرأ صدق ، فوجده أجنح للسّلم ، وأدنى إلى الحلم ، برئ إليه من صببه وصعده ، وأعطاه على الوفاء بذلك صفقتي لسانه ويده ، فكان ابن رشيق بعد ذلك ربما أعرض

--> [ 1 ] المسالك : نجوم . [ 2 ] المسالك : بسماء . [ 3 ] المسالك : المعز ؛ وهو أصوب . [ 4 ] المسالك : الشمع . [ 5 ] المسالك : الأعداء .