ابن بسام
381
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وعرّض [ 1 ] ، وتحلّب إلى شيء من تلك الهنات أو تلمظ ، وأما ابن شرف فلم يحلّ ما عقد ، ولا حال عما عهد . ولابن رشيق عدة تواليف في النظم والنثر ، نفث بها في عقد السحر ، ككتابه المترجم ب « العمدة » و « كتاب الأنموذج » [ 2 ] ، إلى عدّة رسائل رائقة [ 3 ] ، وبدائع فائقة . وأما الشعر فإنه أنسى [ 173 ] أهله وملك منه شخته وجزله ، وقد أثبتّ من خبره ، وحميد أثره ، ما يملأ الآذان بيانا ، ويبهر العقول [ حسنا ] وإحسانا . جملة من أخباره مع ما يتخلّلها من أشعاره حدّث أبو عبد اللّه بن الصفّار الصقليّ قال : كنت ساكنا بصقلّيّة وأشعار ابن رشيق ترد عليّ ، فكنت أتمنى لقاءه ، حتى استغلبت الروم علينا ، فخرجت فارّا بمهجتي ، تاركا لكلّ ما ملكت ، وقلت : أجتمع مع أبي عليّ ، فرقّة شمائله وطيب مشاهده سيذهب عنّي بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن ، فجئت القيروان ولم أقدّم شيئا على الوصول إلى منزله ، فاستأذنت ودخلت ، فقام / إليّ وهو ثاني اثنين ، فأخذ بيدي ، وجعل يسألني ، فأخبرته عن أمري [ . . . و ] بعد أن تمكن أنسي بمجالسته قال لي يوما : يا أبا عبد اللّه ، إنّ هاهنا بالقيروان غلاما قد برّح بي حبّه ، واستولى عليّ كربه ، منذ عشرة أعوام ، وأنا إذ عضّ هواه على كبدي ، وسطا شوقه على جلدي ، ناهض إليه ، وحسبك أنني ما اضطربت عنك منذ حين ، إلا أني أحدّث نفسي بحديثه العذب الموارد والمصادر ، وأعلّلها بأخباره المحمودة الأوائل والأواخر ، فإن أنت ساعدتني على الشخوص إليه قدّمت عندي يدا لا يعدلها إلا رضاه ، فقلت : سمعا وطاعة ؛ وصرت معه حتى جئنا صناعة الجوهريين ، فإذا بغلام كأنّه بدر تمام صافي الأديم ، عطر النسيم ، كأنما يضحك عن درّ ، ويسفر عن بدر ، قد ركب كافور عارضيه غبار عنبر ، فحكى كتابة مسك على بياض ، يجرحه الوهم بخاطره ، ويدميه الطرف بناظره ؛ فلما رآنا الغلام علته خجلة سلبت وجه أبي عليّ ماءه ، فأنشدته قول الصنوبري [ 4 ] :
--> [ 1 ] المسالك : اعترض وتعرض . [ 2 ] نشر العمدة عدة مرات دون تحقيق ، أما الأنموذج فمنه قطعة صالحة في مسالك الأبصار ، ونقول كثيرة في الوافي والفوات وبعض نقول في معجم البلدان ومعجم الأدباء . [ 3 ] من رسائله : قراضة الذهب ، وقد نشرت بتحقيق جيد قام به الأستاذ الشاذلي بو يحيى ، ( تونس 1972 م ) . [ 4 ] ديوان الصنوبري : 438 .