ابن بسام

372

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

عهدة المعاذير ، وإن أحق ما احتكم إليه ، واقتصر عليه ، الاعتراف بفضل الإنصاف ، فليعلم من ينصف أن الاختبار ليس يعلم ضرورة ، ولا يوقف له على صورة ، فليكثر الإغماض ، وليقلّ الاعتراض ، ولو وقع الإجماع على ما يرضي ويسخط ، ويثبت ويسقط ، لارتفع حجاج المختلفين في أمر الدنيا والدين . وفي فصل : هو كليل الخاطر ، سقيم النفس ، صديء القريحة ، عديم الحسّ ، ذو طبع جاس ، وفهم قاس ، وللّه درّ ابن الرومي في قوله [ 1 ] : خفافيش أعشاها نهار بضوئه * ولاءمها قطع من الليل غيهب بهائم لا تصغي إلى شدو معبد * فأمّا على جافي الحداء فتطرب قد تعوّد ليّ الألسن بالسّباب ، وغمز الأعين على الأصحاب ، واستعمل الملق والكذاب ، فهو بين جاهل متغافل ، قد حشي قلبه رينا ، ومليء لسانه مينا ، وبين من سمائم نمائمه تلذع ، وعقارب مكايده تلسع ، وبين معجب متصلّف ، بارد متكلّف ، لا يرى سيبويه كان على شيء ، كما لا يرى الكسائيّ قبله : وإذا ما تذاكر الناس معنى * من شهير [ 2 ] الأشعار والمجهول قال هذا لنا ونحن كشفنا * عنه للمستدلّ والمسؤول [ 3 ] فهو كما قال الخوارزميّ : قد أسكرته خمرة الكبر ، واستهوته غرّة التيه ، فخيّل إليه أن كسرى حامل غاشيته ، وقارون وكيل نفقته ، وبلقيس إحدى داياته ، وأن الشمس تطلع من جبينه ، والغمام يندى من عينه ، فهو يرى ببصر جهله لا ببصيرة عقله ، وأن امرأ القيس ما بكى بالديار وعرصاتها ، ولا اغتدى والطير في وكناتها ، ولا أحسن تقصيد القصائد ، وتقييد الأوابد ، وأنّ زيادا [ 4 ] لم توقد باليفاع ناره ، ولا أعتب النعمان اعتذاره ، وأن شعره لم يرقّ حتى يقال : الماء أو أسلس ، ويجزل حتى يقال : الصخر أو أملس ، وأنّ زهيرا كان متعاظل الكلام ، متداخل الأقسام ، غير مطبّق للمفاصل ، ولا مصيب للشواكل ، وأمّا

--> [ 1 ] ديوان ابن الرومي : 157 . [ 2 ] ص : سير . [ 3 ] ص : عيبه المسؤول والمسؤول . [ 4 ] يعني النابغة الذبياني .