ابن بسام
373
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
طبقات المخضرمين من الإسلاميين فلا يضربون إليه بقدح ، ولا يفوزون عنده بنجح : فلو أتيناه بمستطرف * من مبدعات الهزل والجد أرقّ من دمعة مهجورة * مرهاء تمريها يد البعد لو قرعت سمع يزيد سلا * بحسن ما يسمع عن هند [ 1 ] أعرض عنها ثانيا عطفه * ولم يعرها عطفة الودّ هذا وقد لاح بوجه الحجى * منها ضياء القمر الفرد وأقبلت تختال في حلّة * مرّت عليها طرز الحمد وما يضرّ الشمس أن أصبحت * تعرض عنها أعين الرمد ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزلالا وفي فصل : قد تقاربت الصفات ، وتوازنت الذوات ، وتكاشفنا لما تعارفنا ، ورفعت الخلوة حجاب الاحتجاب ، وحطّت الخلطة لثام الاكتتام ، وكنّا مع طول الامتحان والاختبار ، ومدة الالتباس والاحتيار ، نقنع من ارتفاع القناع بلمحة ، ومن اتقاد الزناد بقدحة ، ونبرز العبارات ، من معارض الإشارات ، وغوامض الاستعارات ، في طراز من الأرماز يدقّ عن مسرى السّحر ، ويرقّ عن مجرى الخمر : في تعابيرنا « اللطاف اللواتي * هي أخفى من مستسرّ الهباء » [ 2 ] « بل من السرّ في ضمير محبّ * أدّبته عقوبة الإفشاء » ونختلس حركات البيان ، في سكنات الزمان ، كما اختلس اللفظ المحبّ الكتوم . فهلمّ الآن إلى التصريح دون التعريض ، والتصحيح دون التمريض ، وتعال نتلاطف ونتكاشف ، إذ قد لبسنا ثوب الأمان من الزمان . وفي فصل [ 3 ] :
--> [ 1 ] ص : من ند . [ 2 ] استعار البيتين من ابن الرومي ، ديوانه : 67 . [ 3 ] الأبيات في الشريشي 5 : 227 .