ابن بسام
371
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
أفضل من معنى لطيف ، ظهر في لفظ شريف ، فكساه من حسن الموقع قبولا لا يدفع ، وأبرزه يختال من صفاء السبك ونقاء السلك وصحة الديباجة وكثرة المائية في أجمل حلّة ، وأجلّ حلية . والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه ، بما ظهر في مستحسن لفظه ، من بارع عبارة ، وناصع استعارة ، وعذوبة مورد ، وسهولة مقصد ، وحسن تفصيل ، وإصابة تمثيل ، وتطابق أنحاء وتجانس أجزاء ، وتمكّن ترتيب ، ولطافة تهذيب ، مع صحّة طبع وجودة إيضاح ، يثقّفه تثقيف القداح ، ويصوّره أفضل تصوير ، ويقدّره أكمل تقدير ، [ فهو مشرق في جوانب السمع ] . وإن كنت [ 1 ] قد استدركت على كثير ممن سبقني إلى مثل ما أجريت إليه ، واقتصرت في هذا الكتاب عليه ، لمح أوردتها كنوافث السحر ، وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر ، من ألفاظ أهل العصر ، في محلول النثر ، ومعقود الشعر ؛ ولهم من لطائف الابتداع ، وتوليدات الاختراع ، أبكار لم تفترعها الأسماع ، يصبو إليها القلب والطرف ، ويقطر منها ماء الملاحة والظرف ، وتمتزج بأجزاء النفس ، وتسترجع نافر الأنس ، تخللت تضاعيفه ، ووشحت تآليفه ، وطرّزت ديباجه [ 2 ] ، ورصعت تاجه ، / ونظمت عقوده ، ورقمت بروده ، فنورها يرفّ ، ونورها يشفّ ، في روض من الكلم مونق ، ورونق من الحكم مشرق . وفي فصل [ 3 ] : إلى هذا المكان أمسكت العنان ، والإطناب في هذا الكتاب يعظم ويتسع ، بل يتّصل ولا ينقطع ، إذ كان غرضي فيه ، أن ألمع من معانيه ، ثم انجرّ معه حيث انجرّ ، وأمرّ فيه كيف [ 169 ] مرّ ، وآخذ في معنى آخر غير موصول بشكله ، ولا مقرون بمثله ، وقد أحلّ نظاما وأفرد توأما ، نشرا لبساط الانبساط ، ورغبة في استدعاء النشاط . وهذا التصنيف لا تدرك غايته ، ولا تبلغ نهايته ، إذ المعاني غير محصورة بعدد ، ولا مقصورة إلى أمد ، وقد أبرزت في الصدر ، صحيفة العذر ، يجول فرندها ، ويثقب زندها ، ومن ركب مطيّة الاعتذار ، واجتنب خطيّة الإصرار ، فقد خرج من تبعة التقصير ، وبرز من
--> [ 1 ] زهر الآداب : 4 . [ 2 ] في الأصل : ديباجاته . [ 3 ] زهر الآداب : 1091 .