ابن بسام

308

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وهو القائل [ 1 ] : كنت في سفرة البطالة و * الغيّ زمانا [ 2 ] فحان منه قدوم تبت عن كلّ مأثم فعسى * يمحى بهذا الحديث ذاك القديم بعد سبع [ 3 ] وأربعين لقد * ما طلت إلّا أنّ الغريم كريم انتهى ما أثبته لأبي القاسم من فصوص نثره ، وملح شعره ، وأختم ذكره بخبر يتعلق بكرمه ، ومحاسن شيمه [ 4 ] : كان يوما بداره ببغداد في نوروز سنة ثماني عشرة وأربعمائة ، وهو إذ ذاك وزيرها ، وله تدبيرها ، فدخل عليه وجوه أمراء الديلم والاسفهسلارية من الأتراك على طبقاتهم ، ووضعت الهدايا بين يديه على رسم الفرس ، فلما / [ 146 ] خفّ المجلس وتعلّى النهار ، استؤذن عليه للديلمي مهيار ، فأذن له ودخل ، فلما مثل بين يديه وسلّم قال : أيدك اللّه ، هذه البضاعة التي معنا كانت كاسدة ، وقد وجدنا لها نفاقا بحضرتك ، فقال : هات ما معك ، فأنشده قصيدته التي أولها [ 5 ] : عسى معرض وجهه مقبل وهي قصيدة نيّف فيها على المائة ، وقد أثبتّ ما أخرجت منها في موضعها من هذا القسم ، فجعل ينشدها وابن المغربي يستعيد أبياته النادرة فيها ، ويكثر إعجابه بها ، ويجمع كفّيه ويبسطهما ويقول : أحسنت واللّه ، أجدت واللّه ، إلى آخرها . فلما فرغ أشار له إلى دراهيم ودنانير كانت في يديه دون باقي الهدايا ، ففتح مهيار كمه الأيسر وجمع بيده اليمنى حتى ملأ كمه الأيسر ، ثم فتح كمه الأيمن وجمع بيده اليسرى إلى أن لم يبق في الموضع دينار ولا درهم ، ونهض ؛ وسئل مهيار بعد عن / زنة ما حصل له يومئذ فقال : كانت الدنانير ألفا ومائة مثقال وعشرين ، والفضة ثمانية آلاف درهم .

--> [ 1 ] الأبيات في ياقوت 10 : 82 ، والمنتظم 8 : 33 ، وابن خلكان 2 : 176 . [ 2 ] ياقوت : كنت في سفرة الغواية والجهل مقيما . [ 3 ] ياقوت : بعد خمس . [ 4 ] بغية الطلب 5 : 29 ، 19 . [ 5 ] ديوان مهيار 3 : 124 وعجز البيت : فيوهب للآخر الأول .