ابن بسام
309
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فصل في ذكر الفقيه الحافظ عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي [ 1 ] ناصر دين المالكية ، وإيراد قطعة من شعره الذي هو حلاوة الأمان ، وبشر وجه الزمان كان أبو محمد في وقته بقية الناس ، ولسان أصحاب القياس ، وهو أحد من صرّف وجوه المذهب المالكيّ ، بين لسان الكنانيّ ، ونظر اليونانيّ ، فقدّر أصوله ، وحرّر فصوله ، وقرّر جمله [ 2 ] وتفاصيله ، ونهج فيه سبلا كانت قبله طامسة المنار ، دارسة الآثار ، وكان أكثر الفقهاء ممن لعلّه كان أقرب سندا ، وأرحب أمدا ، قليل مادة البيان ، كليل شباة اللسان ، قلّما فصّل في كتبه غير مسائل يلقفها ولا يثقفها ، ويبوّبها ولا يرتبها ، فهي متداخلة النظام ، غير مستوفاة الأقسام ، وكلّهم قلّد أجر ما اجتهد ، وجزاء ما نوى واعتقد . وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح ، وألفاظه أحلى من الظّفر بالنّجح ؛ ونبت به [ 3 ] بغداد ، كعادة البلاد ، بذوي فضلها ، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها ، فخلع أهلها ، وودّع ماءها وظلّها . وقد حدّثت أنه شيّعه يوم فصل / عنها ، من أكابرها ، وأصحاب محابرها ، جملة موفورة ، وطوائف كثيرة ، وأنّه قال لهم عندما وقفهم للتوديع ، وعزم عليهم في الرجوع : واللّه يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشيّة ، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية ؛ والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة رطل بمثقال ، وزعموا أنه ارتجل يومئذ هذه الأبيات [ 4 ] : سلام على بغداد في كلّ موطن * وحقّ لها منّي السلام المضاعف لعمرك ما فارقتها قاليا لها * وإني بشطّي جانبيها لعارف
--> [ 1 ] ترجمة عبد الوهاب المالكي في طبقات الشيرازي : 168 ، وتاريخ بغداد 11 : 31 ، والمنتظم 8 : 61 ، وترتيب المدارك 4 : 691 ، والديباج المذهب : 159 ، ومرآة الجنان 3 : 41 ، وابن خلكان 3 : 219 ، والمرقبة العليا : 40 ، وابن كثير 12 : 32 ، والشذرات 3 : 223 ، والفوات 2 : 419 ، والزركشي 2 : 202 ، وتبيين كذب المفتري : 249 ، والنجوم الزاهرة 4 : 276 وورد في دمية القصر ( 1 : 295 - 297 ) ترجمة أبي نصر عبد اللّه بن علي بن نصر المالكي ، ولعل صوابه : « عبد الوهاب بن علي » إذ نسب له الباخرزي أبياتا نسبت لعبد الوهاب في أكثر المصادر . [ 2 ] ص : حصله . [ 3 ] ص : بعد . [ 4 ] وردت في أكثر المصادر التي جاءت فيها ترجمته ؛ وقيل : إن الأبيات ليست له ؛ وانظر : الشريشي 4 : 317 .