ابن بسام

294

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وفي فصل منها : فيا حسن تلك الصحيفة ومدادها ينتهب بالأفواه ، ويزيد بالتقبيل لعسا في الشّفاه ، ويا عجبا كيف حفظ مع بعد العهد نشر عرفك ، وكيف / علق مع تراخي الأيام طيب كفّك ، وكيف جاء كأنّك كتبته من أمم ، وأنفذته وبيننا خطوة قدم ، وكيف لم يغيره ما قطع من مهاول قفار ، وليل ونهار ، وعدوّ كاشح ، ورقيب لامح ، فأنعم به من ريحانة ألفاظ دامت لدونتها ، وباكورة وصال سلمت غضوضتها [ 1 ] ، ومسحة يد بقي أثرها أرجى ، وروضة كلم دام على الصيف بهجتها [ 2 ] . وفي فصل منها : فأمّا سؤالك عنّي فما يشبه سيرتك الحسنى ، ولا يليق بطريقتك المثلى ، كيف تسألني والإجابة معك ؟ وكيف تستخبرني ومحلّ الخبر والاستخبار عندك ؟ [ 140 ] ومتى سمعت بجواب جسد رهينة ؟ وأين رأيت طماح عين لواحظها مقيّدة كليلة ؟ ألم أفارقك وقلبي عندك أعشار ، وأضلعي منه قفار ؟ . وفي فصل : وردت الموصل التي خالف اسمها معناها ، وكانت مقطعا بيننا لولا خدع الأماني ، وفصلا لولا المرجوّ من عفو الليالي ، فوجدت هواءها يعطّل سوق بقراط اعتدالا وطيبة ، وماءها يسلي عن مجاج النّحل استمراء وعذوبة ، وصقعها قد تبغدد رقة ولطفا ، وجوّها قد تزندق تنعّما وظرفا ، تكاد تثقله عقود الغانيات ، ويخجله تتابع اللحظات ، كل شمأله نسيم ، وكلّ جنوبه حيا عميم ، ورأيت أرضها أطيب الأرض خيما ، وأزينها أديما [ 3 ] ، تنسج بالسّندس الأخضر ، وتفترّ عن الأقحوان الأحمر ، وألفيت بنيانها هو الذي حمده اللّه في تنزيله [ 4 ] ، وأحبّه لنا أن نكون مثله جهادا في سبيله ، مرصوصا بوقاح الجلمد ، ملاءما بينه بالشّيد الممرّد ، قد حصّن ظاهره على باطنه عن تداخل الإبر ، ومساكن الذرّ ، يزلّ عنه ظفر الطائر ، وتتدحرج عليه أحداق [ 5 ] الناظر ، وتغنى به العروس عن الماويّ المنير [ 6 ] ، وتستبين / به الجفون منابت الشكير من أهدابها والغمير ، متلاقية أقطارها على رجال كأنهم أنسلاء عاد وثاقة أجسام ، وصلابة أحلام ، وبعد مرام ، لطفوا

--> [ 1 ] ص : غضاضتها ، وهو عند بعض اللغويين جائز ، وأنكره عليّ بن حمزة ، والالتزام به هنا غير ذاهب مع السجع . [ 2 ] كذا وردت العبارة في ص ، ولعلها : « دام على الصيف زهرها بهجا » أو ما أشبه . [ 3 ] ص : ديما . [ 4 ] يعني أنه بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا ( انظر الآية 4 من سورة الصف ) . [ 5 ] ص : أكداء . [ 6 ] الماويّ : حجر البلور أو المرآة .