ابن بسام
295
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
عن بدوية الشام وغلظته ، وجمدوا عن ذوب العراق وخلابته ، قد عقدت ألسنتهم بالصّدق فما ينتثر الباطل من عذباتها ، وصحّت غرائسهم في المودّة فما يجتنى الغدر من ثمراتها ، إن سلما فسلما وإن حربا فحربا ، لا يعرفون تدليس الأخلاق ، ولا تمويه النفاق ، وشعراؤهم [ 1 ] ملء اليدين ، وكتّابهم أثر بعد عين ، أدبهم [ حسن ] [ 2 ] على قلة الملوكيّ فيه ، وعلمهم متقن لمن تأمّل أدق مسرب [ 3 ] في فتن معانيه ، قد محّص تهذيب المحن شرارهم وأوهن خيارهم ، بلدهم أطلال ، وأحوالهم آل ، قويّهم يئنّ ضعفا ، وضعيفهم يماطل حتفا ، بقيت عليهم أسمال النعم وذهب الدهر بأجسامها ، وانجلت عنهم ظلل المحن وهم يتأوهون من غير آلامها ، إلا أنّ فيهم بقيّة نقيّة ، وفيهم موضع تدارك إن رزقوا سيرة مرضيّة ، فلو لا ما أرجوه من مداواة أسقامهم ، وإعادة صالح أيامهم ، لقضاني الانتماء بمعايشتهم قبل معاناتهم ، وبملاحظتهم قبل مقاساتهم ، لكنّي أعلم أنّ من يحيي العظام وهي رميم ، ويبعث [ 4 ] الروض وهو هشيم ، وينشئ [ . . . ] بعد ما كانت قفارا ، ويجعل من الشجر الأخضر نارا ، قادر على أن يجعل ثواب نيّتي فيهم معونتي على ما أنويه لهم ، وجزاء تأمّلي بهم بلوغ الغرض في تدارك رمقهم . وفي فصل : لو أطقت تفصيل المجمل ، وإيضاح المشكل ، لجرت لك به يدي طلق الجموح ، ولأغنتك أسماره عن الوتر الصّدوح ، إلا أن القلب عليل ، والخاطر كليل ، والزمان ببلوغ الأمل بخيل . / وفي فصل من أخرى إلى ذي السعادتين [ 5 ] : للرئاسة كلف لا يستقلّ بها إلا المهذّب الكامل ، ولا يخطو تحت أثقالها إلّا الأوحد الفاضل ، ولا يبلغ ذوائب أعاليها ، إلّا من شرب الأجاج من ماء واديها ، ولا يلذّ بملكها إلا من أغلى المهر من كريم مساعيه ، ولا يفضّ ختامها إلا من جعل منازلة الخطوب سلكا لعقود أيّامه ولياليه ، ولذلك قيل ما أنشدته استبصارا ، وأنا إلى إيراده أبين إصرارا :
--> [ 1 ] ص : وسفراؤهم . [ 2 ] ليس في موضعها بياض في ص . [ 3 ] ص : متقن من . . . مسربا . [ 4 ] ص : ويبلى ( دون إعجام ) . [ 5 ] ذو السعادتين هو الحسن بن منصور أبو غالب وكان وزيرا للسلطان البويهي بهاء الدولة ، ثم وزر بعده لسلطان الدولة ( 409 ) ثم ثالثة لمشرف الدولة ( سنة 412 ، وتوفي في هذه السنة نفسها ) .