ابن بسام

253

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أعندك [ 1 ] أنّ البدر بات ضجيعي * فقضيت أوطاري بغير شفيع جعلت ابنة العنقود بيني وبينه * فكانت لنا أمّا وكان رضيعي فصل في ذكر الأديب الفقيه أبي بكر ابن الحسن المرادي القروي وإثبات قطعة من أشعاره ، وطريف أخباره وكان أبو بكر هذا فقيها فطنا ، وشاعرا لسنا ، ممن جمع براعة الفقهاء ، وبراعة الشعراء النبهاء ، وتصرّف تصرّف المطبوعين ، وتكلّم بألسنة المجيدين ؛ أشعار كصفحات البدور ، ودواوين كأثباج البحور ؛ وتقلّب أبو بكر بين السهول والحزون ، تقلّب الميل بين أطباق الجفون ، وقلّت دولة من دول ملوك الطوائف بالأندلس إلا وقد ابتغى إليها وسيلة ، وأعمل في الهجوم عليها حالا وحيلة ، فتنزوي عن مكانه انزواء الخائف من الرّصد ، وتغصّ بإحسانه غصص العين بالرمد ، ثم كرّ إلى أمراء المرابطين بالمغرب فانخرط في أسلاكهم ، وعرض بنفسه على أملاكهم [ 2 ] ، ووقع آخرا منهم إلى محمد بن يحيى بن عمر ، فاقتعد صهوة منبره ، وولي قضاء معسكره ، وأخذ ينجد ويغور ، وطفق يدبّر ويدير ، وإنما أراد أن يسلك في حمل دول المرابطين ، مسلك عبد اللّه بن ياسين ، ولم يدر أنها أقدار محتومة ، وحظوظ مقسومة ، فلم يحصل إلّا على بعد السّفر ، وانقطاع العين والأثر ، وتوفي رحمه اللّه بدكول من بلاد الصحراء ، حيث لا يروق وجه النهار ، ولا يحمد صوب القطار . وقد أخرجت مما وجدت من شعره ونثره ، ما يستخفّ رواسي الجبال ، ويستوفي ضروب [ السحر ] الحلال . فصل له من رقعة كتبها عن بعض الأمراء جوابا عن كتاب ورد من بعض العمال الجهّال يهول فيه : وقفنا على كتابك الذي طال فقصر ، وكبر جرمه فصغر ، صدّرته بنون التعظيم ، وسطّرته بمجدك الحديث والقديم ، وخاطبتنا فيه بالألفاظ الحجّابية ، التي تخاطب [ 3 ] بها غوغاء الرعيّة ، ارجع - أصلحك اللّه - عن هذا الأدب ، وتأدّب في خطابك لذوي الرّتب ، فقد أطعنا فيك [ 126 ] سلطان الحكم ، لانتسابك إلى اسم العلم .

--> [ 1 ] ص : أعيذك . [ 2 ] ص : مماليكهم . [ 3 ] ص : خاطب .