ابن بسام

239

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

غير مستريب بدهره ، ولا منكر لشيء من أمره ، ممتعا بآلاته ، مقبلا على لذاته [ 1 ] ، إلى أن توفي سنة ست وتسعين منتصف رجب الفرد . وعلى ذكره ، فقد أجريت طرفا من نظمه ونثره ، منبها على مكانه ، ومشهدا على ما وصفت من شانه . فصل له من رقعة خاطب بها المعتمد بن عباد ، وقد خرج عنه إلى مالقة ، قبل القبض عليه ، واستفتحها بهذين البيتين [ 2 ] : رحلت وفي القلب جمر الغضا * وهجري لكم دون شكّ صواب كما تهجر النفس حرّ الطعام * إذا [ ما ] تساقط فيه الذباب وهذا المعنى مشهور ، قد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير ، مثل قول بعضهم [ 3 ] : وتجتنب الليوث ورود حوض [ 4 ] * إذا كان الكلاب يلغن فيه كما سقط الذباب على طعام * فتتركه ونفسك تشتهيه [ 5 ] كتبت وقلبي متقلّب على جمر الغضا ، أحرّ من الرمضاء ، وصلت فقطعت ، وسامحت فقوبحت ، وارتفع عليّ الباطل فما سومحت ، حميت بقرطبة أهلك وبنيك ، وحفدتك وذويك ، أصبتهم في منزل عالي الحيطان ، وثيق الأركان ، في شهر كانون ، دون كنّ ولا كانون ، ولا ما يدفع عنهم ريب المنون ، أكفّ الرزايا تصافحهم ، وجنوب المنايا تضاجعهم ، لا يمنعهم من القرّ شعار ، ولا يحميهم منه [ 121 ] دثار ، فأنفذت الفرش وآلاتها ، وما يتعلق بجهاتها ، وافتقدت بالطّرف ، وتاحفت بالتحف ، وصنتهم صون الدرّ في الحقاق ، والسّواد في الأحداق ، والأطواق في الأعناق ، ومن عندك / يعلم هذا ولا ينكره ، ويشكره ولا يكفره ، وما كانت لك عليّ نعمة فأرعاها ، ولا سطوة فأخشاها ، وإنما فعلت ذلك بالجوهرية التي ركبها اللّه في نفسي ، والطبع الذي جبل عليه حسّي :

--> [ 1 ] ص : لداته . [ 2 ] انظر المغرب 1 : 131 ، والشريشي 3 : 11 ظ . [ 3 ] انظر الشريشي ( نفسه ) . [ 4 ] الشريشي : ماء . [ 5 ] مقتبس من قول الأول : إذا وقع الذباب على طعام * رفعت يدي ونفسي تشتهيه