ابن بسام

238

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والبشر في شرب المدامة فارتقب * منها سرور النفس ساعة تعذب [ 1 ] فصل في ذكر الوزير الحكيم أبي محمد المصري [ 2 ] شيخ الفتيان ، وآبدة الزمان ، وخاتمة أصحاب السلطان ، وكان رحل إلى مصر واسمه خامل ، وسماؤه عاطل ، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس وقد نشأ خلقا جديدا ، وأجرى إلى النباهة طلقا بعيدا ، فتهادته الدول ، وانتهت إليه التفصيلات والجمل ، وكلّما طرأ على ملك فكأنّه معه ولد ، وإيّاه قصد ، فجرى مع كلّ أحد ، وتموّل في كلّ بلد ، وتلوّن في / العلوم [ 3 ] تلون الزمان ، وتلاعب بالملوك بأفقنا تلاعب الرياح بالأغصان ، حتى ظفر به المأمون بن ذي النون ، فشدّ عليه يد الضنين ، فوجد كنفا سهلا ، وسلطانا غفلا ، فسرّ وساء ، وارتسم في أيّ الدواوين شاء ، وكان بالطبّ أكلف ، وعليه أوقف ، فتعلّق بسببه ، حتى اشتهر به ، ولم يكن من النفوذ فيه حسبما استذاع عنه الخبر ، خلا أنه كان - زعموا - بصيرا بطبّ النظر ، وكان مع ما يحمله من هذا الفنّ حسن البيان مليح المجلس ، حاضر الجواب كثير النادر ، راوية [ 4 ] للشعر والمثل السائر ، نسّابة للمفاخر ، عارفا بالمثالب والمناقب . وقفت له على شعر مجموع ، عاطل أكثره من حلي البديع ، وكان بالجملة روضة أدب ممتعا للمجلس ، وهيهات أن يأتي الدهر بمثله . وقد وصفه ابن حيان ، في فصل قد أثبته في أول هذا القسم من الديوان [ 5 ] . فلما انصرفت الدولة الذنونية ، تحيّز أبو محمد إلى إشبيلية ، فأنس المعتمد بمكانه ، وجعل له حظا من سلطانه ، ولم يزل في من يتردد عليه ويغشاه ، حتى أشجاه من الخلع - حسبما وصفناه - ما أشجاه ، وبقي أبو محمد على حاله ، مشتملا بفضل جدّه وإقباله ،

--> [ 1 ] كذا في ص ، وأحسب صوابه : « تقرب » . [ 2 ] هو عبد اللّه بن خليفة القرطبي ، المعروف بالمصري ، قال ابن سعيد : لطول إقامته بمصر ، وأنكر ابن حيان أن يكون ابن خليفة ( وكان ابن جار له ) قد تعدى في رحلته العدوة ، وأنحى عليه بالذم عند الحديث عن الشعراء الذين أنشدوا قصائدهم في الأعذار الذنوني ( ص 137 ، 139 ) وقد دافع عنه الحجاري في المسهب ، وذمه ابن اللبانة في كتابه « سقيط الدرر » لأنه لم يكن وفيا للمعتمد بعد خلعه ( انظر ترجمته في المغرب 1 : 128 وفيها اعتماد كثير على الذخيرة ؛ وراجع أيضا الخريدة 2 : 193 ، المسالك 11 : 466 وأجرى ذكره في القلائد : 6 ، والمطمح : 15 وله أشعار في النفح ) . [ 3 ] المغرب : العالم . [ 4 ] ص : رواية . [ 5 ] انظر ما تقدم 137 ، 139 .