ابن بسام

146

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أشعار صبوته الأنيقة ، ومكفّرات [ 1 ] توبته الصّدوقة ، ومدائحه المروانيّة ، ومطاعنه في العبّاسيّة . وهو في كل ذلك فارس ممارس ، وطاعن مداعس . واطلعنا في شعره على علم واسع ، ومادة فهم مضيء ناصع . ومن تلك الجواهر نظم عقده ، وتركه لمن تجمّل بعده . وأمّا ابن هانئ محمّد الأندلسيّ ولادة ، القيروانيّ وفادة وإفادة ، فرعديّ الكلام ، سرديّ النظام [ 2 ] ، إلّا أنه إذا ظهرت معانيه ، في جزالة مبانيه ، رمى عن منجنيق ، يؤثّر في النّيق . وله غزل قفريّ لا عذريّ ، / لا يقنع فيه بالطّيف ، ولا يشفع بغير السيف . وقد نوه به ملك الزّاب . وعظّم شأنه بأجزل الثواب ، وكان سيف دولته ، في إعلاء منزلته ، من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه ، لرداءة عقله ، ورقّة دينه ، وضعف يقينه ، ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر ، حتى يستعين عليها بالكفر . وأمّا القسطليّ : فشاعر ماهر عالم بما يقول ، تشهد له العقول ، بأنّه المؤخّر بالعصر ، المتقدّم في الشّعر . حاذق بوضع الكلام في موضعه ، لا سيّما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة ، وشكا ما دهاه في أيام المحنة . وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه ، في أبعد الزمان وأقربه . وأمّا عليّ التّونسي : فشعره المورد [ 3 ] العذب ، ولفظه اللؤلؤ الرّطب ، وهو بحتريّ الغرب ، يصف الحمام ، فيروق الأنام ، ويشبّب ، فيعشّق ويحبّب ، ويمدح ، فيمنح [ 4 ] أكثر مما يمنح . هذا ما عندي في المتقدّمين والمتأخّرين ، على احتقار المعاصر ، واستصغار المجاور ، فحاش للّه من الاتصاف ، بقلة الإنصاف ، للبعيد والقريب ، والعدوّ والحبيب . قلت : يا أبا الريّان ، وقيت مرور الحدثان ، فلقد سبكت فهما ، وحشيت علما . مقامة له أخرى حدّثني الجرجاني قال : كان فتى بجرجان من أبناء الأقيال ، قد جمع إلى النّهاية في

--> [ 1 ] ص : وتكفرات ؛ ل : وتكفيرات . [ 2 ] زاد في ل : متين المباني ، غير مكين المثاني ، تجفو بعطنها عن الأوهام ، حتى تكون كنقطة النظام . [ 3 ] ص : المورود . [ 4 ] ص : فتمتح .