ابن بسام
147
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
المال الغاية في الجمال . وكان مألفا للأدباء [ 1 ] ، ومأوى للغرباء ، ورزقا للفقراء ، فلا يخلو منزله من أهل الإعدام . فإني لعنده في بعض الليالي إذا استؤذن عليه لضرير فقير فأمر بإكرامه وإطعامه . فلمّا فرغ من شأنه ، استدعاه إلى إيوانه ، فدخل علينا رجل شيخ وافر السّبال [ 88 ] ، قد عمّه البياض بالكمال ، مطموس العينين ، مسترخي الحاجبين ، قد صلعت هامته ، وركعت قامته ، وقصرت مسافة خطاه ، وثقل جسمه على عصاه ، فسلّم بصوت ضئيل ، ودعا بلسان ثقيل . وأقبل يذكر شبابه ، ويتذكّر أحبابه ، وينوح على سالف زمانه ، ويندب ثقات إخوانه . فرق له الفتى فأدناه ، حتى أجلسه على يمناه ، وصبّره وسلّاه . ثمّ سمرنا إلى وقت النوم ، فرقد سائر القوم ، ونام الفتى في مكانه ، مراعاة لحقّ ضيفانه . وكنت أدنى من الفتى مرقدا ، كما كنت أدنى منه مقعدا ، ولي عين أخف العيون هجعة ، وأقربها إلى الانتباه رجعة . فأيقظتني نبرة لم أكن عهدت من الفتى مثلها ، ولا أجراها مع ضيف قبلها . فعجبت من خرق العادة ، وأصغيت ألتمس [ استزادة ] . فسمعت الأعمى / يقول : يا سيّدي أنا صرورة ، وثمّ ضرورة ، وقد طالت الغربة ، واضطرّتني العزبة . فقال الفتى له : فما وجدت لضرورتك سواي ، ولا لعزبتك حاشاي ؟ قال له : فإن أبيت إلّا أن تمنع ، فدلّني على ما أصنع . قال له الفتى : أرى لك أن تتسرّى . قال : ومن للصّعلوك بالمملوك ؟ قال : فتتزوّج . قال : والمحوج كيف يتزوج ؟ قال له الفتى : فإنّك لو خضخضت ، لكان أشبه مما إليه تعرّضت . قال الأعمى : واللّه يا مولاي لا يسعه خفّي ، فكيف كفّي ؟ فصاح الفتى : السّلاح السلاح : « ألا أيّها النّوام ويحكم هبّوا » . قال الجرجانيّ : فقلت : « فللشيخ زبّ ليس يشبهه زبّ » . فقال الفتى : أسمعت العجب العجاب ؟ قلت : نعم ، وحفظت العتاب . وجعلت أقول : ما سألك الشّيخ في عسير ، ولا حملك على خطير ، فهلّا قضيته فأرضيته ؟ قال : فحسب الأعمى كلامي ردّا ، وظنّه جدّا ، فقال : فديتك أيّها الناصر ، حين خذلني الأواصر ، واحتقدني [ 2 ] المعاصر ، ثم تنهّد وقال : آه وا هرماه ! بقينا حتى شقينا ، آه . طاح أهل البذل والسّماح ، وبقي أهل البخل والجماح . انظر أيّ أجناس ، بعد أيّ ناس ، لكنّ الفقير حقير ، قلّ المال ، وذهب الرجال . سمعنا فطمعنا ، يا فتى ، أخبرنا عنك خبرا ، ما رأينا له أثرا ، وربّ منسوب إلى حال ، مرجوعها
--> [ 1 ] ص : لأدباء . [ 2 ] كذا في ص ، ولعلها : « واحتقرني » .