ابن بسام
14
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وأرى أبا الطيّب ألمّ بعض الإلمام ، بقول أبي تمام [ 1 ] : يلحظه في جدّه وهزله * لحظ الأسير حلقات كبله جملة أخبار نوادر ، جرت له مع المنصور ابن أبي عامر اجتمع [ 2 ] عند المنصور ابن أبي عامر أعيان الأوان كالزّبيديّ والعاصمي وابن العريف [ 3 ] ومن سواهم ؛ فقال لهم المنصور : هذا الرّجل الوافد علينا صاعد يزعم أنّه متقدّم في هذه الآداب التي أنتم سرجها الضّاحية ، وأهلّتها السّارية . وأحبّ أن يمتحن ما عنده . فوجّه إليه ، ودخل والمجلس قد احتفل فخجل ، فرفع المنصور مجلسه وآنسه ، وسأله عن أبي سعيد السّيرافي ، فزعم أنّه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه . فبادره العاصميّ بالسّؤال عن مسألة من الكتاب ، فلم يحضره فيها من جواب ، / واعتذر أنّ النحو ليس جلّ بضاعته ، ولا رأس صناعته . فقال له الزّبيدي : فما تحسن أيّها الشّيخ ؟ قال : حفظ الغريب . قال : فما وزن أولق ؟ فضحك صاعد وقال : أمثلي يسأل عن هذا ؟ إنّما يسأل عنه صبيان المكتب . قال الزّبيدي : فقد سألناك ، ولا نشكّ أنّك تجهله . فتغيّر لونه وقال : « أفعل » . قال الزّبيدي : صاحبكم ممخرق ! قال له صاعد : إخال الشّيخ صناعته الأبنية ؟ قال له : أجل . قال صاعد : وبضاعتي أنا حفظ الأشعار . ورواية الأخبار ، وفكّ المعمّى ، وعلم الموسيقى . قال فناظره ابن العريف فظهر عليه صاعد ، وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلّا أنشد عليها شعرا شاهدا ، أو أتى بحكاية تجانسها ، فازداد المنصور عجبا . ثم أراه كتاب النوادر لأبي عليّ فقال : إذا أراد المنصور أمليت على مقيّدي خدمته وكتّاب دولته كتابا أرفع منه قدرا ، وأجل خطرا ، [ لا ] أدخل فيه خبرا ممّا أدخله أبو عليّ . فأذن له المنصور في ذلك ، وجلس بجامع مدينة الزّاهرة يملي كتابه المترجم ب « الفصوص » . فلمّا أكمله وتتبّعه أدباء الوقت ، لم تمرّ فيه كلمة زعموا صحّتها عندهم ، ولا خبر ثبت لديهم . فقالوا للمنصور : رجل [ مقتدر ] على تأليف الكذب ، [ . . . ] من
--> [ 1 ] ديوان أبي تمام 3 : 532 . [ 2 ] النفح 3 : 77 وفيه بعض إيجاز . [ 3 ] أبو بكر الزبيدي اللغوي المشهور صاحب طبقات النحويين ولحن العامة والاستدراك على العين وغيرها ؛ والعاصمي هو محمد بن عاصم النحوي القرطبي ( الجذوة : 74 ، والصلة : 453 ) ، وابن العريف هو أبو القاسم الحسين بن الوليد ( الجذوة : 182 ) .