ابن بسام
15
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
عيون الأدب ، يسندها إلى شيوخ لم يرهم ولا أخذ عنهم . حتّى إنّهم كلّفوا المنصور أن يأمر بتسفير [ 1 ] كاغد أبيض وتغيير بهجته ليدلّ على القدم ، ففعل وترجم على ظهر ذلك السّفر بكتاب « النكت » [ 2 ] تأليف أبي الغوث الصّنعاني . فترامى إليه صاعد حين رآه ، وجعل يقلّبه ، وقال : إني واللّه قرأته بالبلد الفلانيّ / على الشّيخ أبي فلان ، وهذا خطّه . فأخذه المنصور من يده خوفا أن يفتحه ، وقال له : إن كنت رأيته كما تزعم فعلام يحتوي ؟ قال : ورأسك [ 3 ] لقد بعد عهدي به لا أنصّ منه شيئا ، ولكنّه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر . فقال له المنصور : أبعد اللّه مثلك ! فما رأيت الذي هو أكذب منك . وأمر بإخراجه وأن يقذف بكتاب « الفصوص » في النّهر ، وفي ذلك يقول بعض شعراء العصر [ 4 ] : قد غاص في البحر كتاب الفصوص * وهكذا كلّ ثقيل يغوص فجاوبه صاعد بقوله : عاد إلى معدنه إنّما * توجد في [ 5 ] قعر البحار الفصوص قال ابن بسّام : وما أحسب أنّ أحدا يجترئ على إخراج تصنيف ، وإبداء تأليف ، يضيق عنه التّعديل ، ويدفع في صدره النّقد والتّحصيل ، لا سيّما وصاعد علم أنّ قرطبة - حسب ما ذكرنا - ميدان جياد ، وبلد جدال وجلاد ؛ ولكنّه اشترط غير المشهور ، فلم يظفروا منه بكثير ، وأعانهم هو على نفسه بما كان ينفّق به من تنحّله وكذبه . ولم يكن عند ابن أبي عامر تحرير ولا بصر بالنّقد مشهور ؛ وإلّا فليس يخلو كتاب « الفصوص » المذكور من غريبة مسموعة ، ولا من فائدة رائقة بديعة ، ولكنّه خبر وجدناه فنقلناه . / وأدخل [ 6 ] على المنصور يوما وردة في غير أيّامها ، لم تستتمّ فتح كمامها ، فقال فيها صاعد على الارتجال :
--> [ 1 ] التسفير - عند الأندلسيين والمغاربة - تجليد الكتب . [ 2 ] ص : النكث ؛ وأثبت ما في النفح . [ 3 ] النفح : وأبيك . [ 4 ] انظر أيضا : ابن خلكان 2 : 489 ، والمسلك السهل : 253 . [ 5 ] ابن خلكان : عنصره إنما يخرج من . [ 6 ] الخبر في جذوة المقتبس : 182 - 183 ، ونفح الطيب 3 : 79 ، وبدائع البداية : 299 ، والريحان والريعان 1 : 154 / أ ، والشريشي 1 : 118 - 120 ، ومعجم الأدباء 10 : 185 - 190 ، وريحانة الألباء 2 : 464 ، ونفحات الأسحار : 226 .