ابن بسام

136

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وتحامل على احتمال علياه ، وذلك أنّ شيخا يفنا قصد فنائي [ 1 ] ، فبكى حتى بلّ بفضل دموعه ردائي ، ومنعه الشّوق بشجاه ، من الكلام على ما ارتجاه . ثمّ ذكر أنّه كاسب نسيّات ، وأبو بنين وبنيّات ، فنسبته فقال : أنا أبو جعدة نهشل ، وذكر / مولانا المظفّر فوصف خيرا كثيرا هو أكثر منه ، ودعا بخير أجابه اللّه عنه ، ووصف أن بغاة بغوه ، وحسدة آذوه ، وتنصّل من ذنوب قرفوه بها ، ومولاي أعلم بصدقها من كذبها . ولم يظهر حرصا إلّا في الميتة الأهليّة والتّربة الوطنية . فبكى - علم اللّه - مع باك ، وشكا مني إلى شاك ، وذو الشّكوى يرحم الشّكوى ، لعلمه بمرارة البلوى . ولا شكّ أنه سيبلغه تفضل المظفّر بالالتفات إلى ذكري ، والعناية ببعض أمري ؛ فلا يظنّ أنّ ذلك باستحقاقي ، وإن رقّاني من الشّرف هذه المراقي ، ومن يسمع يخل [ 2 ] ، وما كلّ ذي سلاح بطل . وقد تلطّفت له بإذن اللّه في القول ، وبرئت إليه تعالى من القوّة والحول ، ووقفته على رأي المظفّر الموفّق ، وحكمه العدل المحقّق . وبودّي لو تكفلت [ 3 ] بآماله ، وجمعت بينه وبين أطفاله ، فهو في قعدد [ 4 ] لبد ، وهامة اليوم أو الغد ؛ إلّا أني - أيّده اللّه - لا أوثر مرادي على مراده ، ولا أشاركه في العلم بأهل بلاده ، إلّا أن يتفضّل بالأحسن الأجمل ، عليّ وعلى أبي جعدة نهشل ، فيعود - أيده اللّه - بفضيلة الإيثار ، ويكسبني في الناس أطيب الأخبار والآثار . ولقد هجمت في العناية بما لا أعلم ثقة بما أعلم ، وهو المتطوّل إن شفع ، والمعذور إن دفع ، والجواب على هذه السّطور المحتوية على هذه الأمور ، بالأقوال والأفعال ، من كمال الإحسان والإفضال . / فأجابه المظفّر برقعة من إنشاء الوزير أبي مروان ابن قزمان ، قال فيها : ورد كتابك المبتدأ خطابه من الشّعر بما هو السّحر الحلال ، والمصدّر من القريض بما شهد لك بالجلال ، لو قصد الطائيان قصده لأجبلا ، أو حذا الحمّادان حذوه لأدبرا فيه وما أقبلا . لم تدع فيه فنّا من الحكمة إلّا أهديته [ 84 ] ولا معنى لطيفا إلّا أبديته ، ولا نوعا من الأدب إلّا جلبته ؛ ولا غريبا من المثل إلّا ضربته ؛ فللّه بلاد غذاك هواؤها ، ورؤساء تطابقت عليك أهواؤها . لقد بان فضلهم على أهل الزمان ، كما ظهر تبريزك في هذا

--> [ 1 ] ص : قبائي . [ 2 ] معناه أن من يسمع الشيء ربما ظن صحته ، انظر : جمهرة العسكري 2 : 263 ( أبو الفضل ) ، واللسان ( خيل ) ، وفصل المقال : 412 ، والميداني 2 : 169 . [ 3 ] ص : تكلفت . [ 4 ] عقدد ؛ والقعدد : القريب النسب من الجد الأكبر ، يريد أنه يكاد يكون من لدات لبد وهو آخر نسور لقمان .