ابن بسام

118

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

لثلاثة أيام من ذلك المشهد . ودخل طليطلة على حكمه ، وأثبت في عرصتها قدم ظلمه ، حكم من اللّه [ 76 ] سبق به القدر ، فلم يكن منه وزر . وخرج ابن ذي النّون خائبا مما تمنّاه ، شرقا بعقبى ما جناه ، والأرض تضج من مقامه ، وتستأذن في انتقامه ، والسّماء تودّ لو لم تطلع نجما إلّا كدرته عليه حتفا مبيدا ، ولم تنشئ عارضا إلّا مطرته عذابا فيه شديدا . واستقرّ بمحلّة أذفونش مخفور الذّمّة ، مذال الحرمة ، ليس دونه باب ، ولا دون حرمه ستر ولا حجاب . حدّثني من رآه يومئذ بتلك الحال وبيده اصطرلاب يرصد فيه أي وقت يرحل ، وعلى أيّ شيء يعول ، وأيّ سبيل يتمثّل ، وقد أطاف به النّصارى والمسلمون ، أولئك يضحكون من فعله ، وهؤلاء يتعجبون من جهله . وعتا الطاغية أذفونش - قصمه اللّه - لحين استقراره بطليطلة واستكبر ، وأخلّ بملوك الطوائف في الجزيرة وقصّر ، وأخذ يتجنّى ويتعتّب ، وطفق يتشوّف إلى انتزاع سلطانهم والفراغ من شأنهم ويتسبّب ، ورأى أنهم قد وقفوا دون مداه ، ودخلوا بأجمعهم تحت عصاه . وولّى ششنند المذكور تدبير طليطلة ، فهوّن عليهم الرزية ، وحبّب إليهم إعطاء الدنيّة ، بما أراهم من سهولة مرامه ، وبسط فيهم من عدل أحكامه ، حتى استمال قلوب أعلامها ، وحبّب التنصّر [ 1 ] إلى عامة طغامها ، وفجأ المسلمين من اختلاف أهوائهم ، وتنصّر سفهائهم ، ما ضاقت عنه صدور الأيام ، واضطربت له قواعد الإسلام . وقد كان من رأي ششنند الإبقاء على أهل طليطلة ، وقال لأذفونش : لست / تجد بمن تعمرها ، ولا تظفر بعامل أطوع من ابن ذي النّون يدبّرها ، فأبى أذفونش إلّا لجاجا في سفهه ، وانحطاطا في حبل شرهه . فلمّا تهيّأ له ملكها ، وانتثر في يديه سلكها ، قال له ششنند : اخفض جناحك لأهلها ، واستجلب جاليتها بما تمدّ من ظلّها ، ولا تلحّ على ملوك الجزيرة فلست تستغني عنهم ، ولا تجد عمّالا أطوع منهم ، فإنّك إن أبيت إلّا الإلحاح عليهم ، والتسرّع بالمكروه إليهم ، نفّرتهم عن ذراك ، وأحوجتهم إلى مداخلة سواك . فكان من صنع اللّه أن اتهم أذفونش يومئذ منحاه ، وخالفه إلى ركوب هواه ، وشرع لوقته في تغيير المسجد الجامع بها ، خاتمة النّوائب ، ونكبة الشاهد والغائب . فقال له ششنند : إنك إن فعلت أو غرت الصّدور ، وأبطلت التدبير ، وسكّنت [ 2 ] من نشط ، وقبضت من انبسط ، فشمخ أذفونش - لعنه اللّه - بأنفه ، وثنى من عطفه ، وأصغى إلى طنانة جنونه

--> [ 1 ] ص : النظر . [ 2 ] ص : وسلكت .