ابن بسام

10

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

على هذا الأفق ، حذو أبي منصور الثّعالبي ؛ فإنّه ذكر في يتيمته نفرا من أهل الأندلس فعارضته أو ناقضته ، والأدب ميدان يليق به المتاح ، ويستحسن فيه الجماح . فصل في ذكر الأديب اللغوي أبي العلاء صاعد بن الحسن البغدادي [ 1 ] وإثبات جملة من نظمه ونثره ، مع ما يتعلّق من الأخبار السلطانية بذكره : هو صاعد بن الحسن بن عيسى ، البغداديّ تربة ، والطبريّ أصلا ، والرّبعيّ نسبا ، ينتمي في ربيعة الفرس ، وكان [ 2 ] طلع على آفاق الجزيرة في أيّام المنصور محمد بن أبي عامر نجما من المشرق غرّب ، ولسانا عن / العرب أغرب . أبده من رأى وسمع ، وأذكى من طار ووقع . فأراد المنصور أن يعفّي به آثار أبي عليّ البغدادي الوافد على بني أميّة قبله ، وهزّه لذلك فألفى سيفه كهاما ، وسحابه جهاما ؛ من رجل يتكلّم بملء فيه ، ولا يوثق على ما يذره وما يأتيه . وقد أجرى ابن حيّان ذكره فقال : ولمّا دخل قرطبة دفعوه بالجملة عن العلم باللّغة ، وأبعدوه عن الثقة في علمه وعقله ودينه ، ولذلك ما رضيه أحد من أهلها أيّام دخوله إليها ، ولا رأوه أهلا للأخذ عنه ولا للاقتداء به ، وغرّقوا كتابه المترجم ب « الفصوص » [ 3 ] ، فها هو إلى اليوم في نهرهم يغوص . وقد أتيت أنا بلمح من أعاجيبه ، وأوردت غرائب من أكاذيبه ، وتخلّلت أثناء ذلك جملة من نظمه ونثره ، ممّا يشهد على ثبوت قدمه وشهرة تقدّمه .

--> [ 1 ] ترجمة صاعد في جذوة المقتبس : 233 ( بغية الملتمس رقم : 8523 ) ، والصلة : 232 ، وإنباه الرواة : 2 : 85 ، ومعجم الأدباء 11 : 281 ، والمعجب : 75 ، والوفيات 2 : 488 ، وشذرات الذهب 3 : 206 ، ولسان الميزان 3 : 160 ، ونفح الطيب 3 : 77 ( وصفحات أخرى متفرقة ) ، وروضات الجنات : 333 ، وبغية الوعاة : 267 ، وللمستشرق بلا شير بحث عنه في مجلة Hesperis العدد العاشر 1930 م ص 28 . [ 2 ] نقل المقري بعض هذا في النفح 3 : 95 . [ 3 ] كتاب الفصوص فيما ذكره ابن حيان يحتوي على آداب وأشعار وأخبار ( وبالقرويين نسخة جيدة منه ) ، وقد قرأه ابن حيان على مؤلفه في داره سنة 399 ه ( بدأ صاعد بتأليفه سنة 385 في ربيع الأول وأكمله في شهر رمضان من العام نفسه ) وعن ابن حيان اتصلت روايته بابن خير ( فهرسة ابن خير : 316 ) ، قال ابن حجر ( لسان الميزان 3 : 160 ) وقد طالعت كتاب الفصوص له ، فذكر في أوائله أنه لزم في حداثته أبا سعيد السيرافي وأبا علي الفارسي حتى استظهر كتب اللغة ، قال : فأزلفني ذلك إلى الملوك حتى ولاني عبد العزيز بن يوسف خزانة كتبه ، فأصبت فيها خطوط العلماء وأصولهم . . الخ ونقل عنه نقولا أخرى ؛ وانظر لسان الميزان 5 : 431 أيضا .