ابن بسام
546
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
منها صفيّه ، وميّزها ليميز منها حفيّة ، ثم اختصّها بالأحلام الزكية ، والأفهام الذكية ، [ إن جاورتهم نصروك ، وإن حاورتهم قصروك ] وإن فاضلتهم فضلوك ، وإن ناضلتهم نضلوك ، وإن طاولتهم طالوك ، وإن استنلتهم أنالوك ، بالكرم يلهجون ، وبحسن الشيم يبهجون ، يمشي أحدهم إلى الموت ثابتة وطأته ، فسيحة خطوته ، شديدة سطوته ، جريّا على الكماة جنانه ، لبقا [ 1 ] بتصريف القناة بنانه [ 2 ] ، بصيرا بمهج الدّارعين سنانه ، وأنتم كما وصفت [ 3 ] ملس لمس ، لا تغيرون ولا تغارون ، ولا تمنعون ولا تمتنعون ، قلوبكم قواء ، وأفئدتكم هواء ، وعقولكم سواء ، قد لانت جلودكم ، ونهدت نهودكم ، واحمرّت خدودكم ، تحلقون اللّحى والشّوارب ، وتتهادون القبل في المشارب ، وتعفون الجمم ، وتوفرون اللمم : والحرب [ 4 ] لا يبقى لصا * حبها [ 5 ] التخيّل والمراح إلا الفتى الصبّار في النّ * جدات والفرس الوقاح [ 6 ] يا بؤس للحرب التي * وضعت أراهط فاستراحوا والعرب تذمّ بالدّعة ، وتهجو بالسّعة ، وتفخر بالجلادة ، وتتبجّح بالصّلادة ، فإن فاخرتها فبغير الطعام والشراب ، ولكن بالطّعان والضراب ، وما عليك من لوك العرود ، أخفت إعجازها ، وخشيت إعوازها ؟ أبك حاجة إليها ؟ ألك حرص عليك ؟ لشدّ ما أدركتك الحميّة فيها ، وحرّكتك العصبية لها ! هذه نادرة لم تحرد لها وبادرة لم تقصد قصدها ، وأنت إن شاء اللّه بعيد منها . ومن الآيات ذكر صواحب الرايات ، والمباضعة عندكم كالمراضعة ، ما في الشّكر عندكم نكر ، [ تبيحون ] ولوج العلوج ، على بدور الحدوج [ 7 ] ؛ الزّنا عندكم سنا ، والفجار بينكم فخار ، تقتادونهن وتستأدونهن ، فكيف أنكرت ما ذكرت ، وسرفت ما عرفت ، وأنت على سنن تلك السّنن ، الحال قائمة والقصّة دائمة :
--> [ 1 ] ط د : لقنا . [ 2 ] من قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي : وكنت إذا ما الخيل شمصها القنا * لبيقا بتصريف القناة بنانيا [ 3 ] ب م : وصفتهم . [ 4 ] الأبيات لسعد بن مالك من قصيدة حماسية رقم : 167 ( المرزوقي : 502 ) مع اختلاف في ترتيبها . [ 5 ] الحماسة : لجاحمها . [ 6 ] النجدات : الشدائد ؛ الوقاح : الجريء الصلب . [ 7 ] ط د س : الخدور .