ابن بسام
40
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
تفانى الرجال على حبّها * وما يحصلون على طائل ومع ذلك ما عدمت من اللّه سترا كثيفا ، ولا صنعا لطيفا ، له الحمد ما ذرّ شارق ، وأومض بارق . ورأيت ما انتدب إليه - أيده اللّه بسنائه - من الشفاعة عند القائد الأعلى [ 1 ] - أعزّه اللّه - ، والصدق مواعده ، وقد كان بدأني بالإجمال [ 2 ] لو عاد عائده ، وبيد اللّه تعالى [ 12 أ ] الأمور يقضيها ، عليه التوكل فيها ، / وفهمت ما أومى إليه من التنقل إلى ذراه ، والورود على نداه ، وأنّى لي بذلك وقد قيدتني الهموم [ 3 ] فما أستطيع نهضا ولا أتقدّم ، ولو أطقت ذلك لأعدت العمر غضّا جديدا ، ولقيت الكمال شخصا وحيدا ، عند من تقرّ بسوابقه العجم والعرب ، وتؤكل خلائقه [ بالضمير ] [ 4 ] وتشرب . قال أبو الحسن : وكان ذو الرئاستين [ 5 ] قد رأى لو انتقل ابن طاهر إلى ذراه ، أن يستمدّ برأيه ونهاه ، وهيهات ! أبو عبد الرّحمن كان أصون لفضله ، وأفطن بالزمان وأهله ، من أن ينخدع بمنتقل ظلّه ، ويحكّمه فيما أبقت الخطوب من جلالته ونبله : من رجل [ 6 ] شديد الإعجاب [ كان ] بأمره ، بعيد الذهاب بقدره ، زاريا على زعماء أهل عصره ، إن ذكرت الخيل فزيدها ، أو الدهاة فسعيدها وسعدها ، أو الشعراء فجرولها ولبيدها ، أو الأمراء فزيادها ويزيدها ، أو الكتابة فبديع همذان ، أو الخطابة ففي حر أمّ سحبان ، أو النقد فقدامة ، أو العلم فلست من رجاله ولا كرامة ، وليس له من ذلك كلّه إلا البراءة من الإحسان ، والاستطالة بمكانه من السلطان ، أبى اللّه إلا انهماكه في الشراب والشطرنج [ 7 ] ، وكان على ذلك ضيّق الفناء ، جهم اللقاء ، أحذق الناس بحرمان من قصده ، وأشدّهم
--> [ 1 ] ط د س : عند فلان ؛ والقائد الأعلى المشار إليه هو أبو عبد اللّه محمد بن عائشة ، وكان ابن رزين قد سأله أن يرد على ابن طاهر ما أخذه المرابطون من أملاكه ، فأعلمه ابن عائشة « أن أمير المسلمين حد له ألا يخوله شيئا ، ولا ينوله منها نفسا ولا ريا » ( القلائد : 66 ) . [ 2 ] د ط س : بالإحسان . [ 3 ] س : قيدني اليوم ؛ ط : قيدني الهرم ؛ وهو الصواب . [ 4 ] بالضمير : لم ترد في م ب س . [ 5 ] ط د س : ذو الوزارتين ؛ وسيأتي هذا اللقب نفسه بعد قليل في ب م ، فهو على هذا ذو الرئاستين وذو الوزارتين . [ 6 ] هذا التهكم موجه إلى ابن رزين . [ 7 ] وليس له . . . والشطرنج : سقط من د ط س .