ابن بسام
395
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
إلى حريمه فأباحوه ، ووضعوا أيديهم في نهب ما أصابوه من نشبه ، وقد كان اجتمع عنده [ 141 ب ] من الأسلاب والغصوب التي استلبها حكم الحائك [ 1 ] متاع فاخر ورياش حسن ، من سائر من ظهر عليه من مال المنكوبين ، وانطلقت الأيدي على آلات القصر من السلاح وغيره ، ووجد / فيه أنواع قيود حديثة كان حكم أحكمها لمن يقيّد بها من الأعيان ، والجاهل أمية العراقي في كلّ ذلك يحرّض العامة على النهب ، والارتقاء إلى البائس هشام وطلب مهجته ، فلا يجدون مطّلعا إليه لمنعة مكانه ، وهشام مطلع رأسه إلى من تحته بداخل المدينة ينشدهم ببيعته فلا يجيبه أحد إلّا بما يسوؤه ، إلى أن تبيّن له خذلانهم إيّاه ، فانجحر في وكره إلى أن نزل بأمان ، ولم يبق معه إلّا أربعة غلمان له ، أحدهم فحل والثلاثة صقلب ، يرقون من دنا منهم ، ويستعينون الناس لاستنقاذهم ، وكان منظرا عجيبا في سرعة استحالة حال الدنيا في نصف نهار من العزّ إلى الذلّة . واجتمع الوزراء إلى زعيمهم أبي الحزم ابن جهور عظيم القرية ، فهتف على الناس بكف الأيدي [ 2 ] ، وسمع هشام الهتف باسم الوزراء ، وقد ألغي [ 3 ] اسمه ، فأيس عند ذلك من نفسه ، وكعّ فلم يطلع بعد وجهه ، ولا تكلّم بلفظة ، ودفع الوزراء بباب القصر النهابة والعامة ، فانتهوا ، وأمية العراقيّ في كل ذلك مقيم بداخل القصر في جمهور النهابة ، قد تبوأ مجلس البائس هشام ، واستوى على فراشه ، ورتّب وجوه النهابة مراتبهم في الحفوف به ، والنفاذ في أمور الإمارة ، لا يشكّ في حصولها له ، محرّضا على هشام ، مجتهدا في إتلافه . ثم اجتمع الوزراء [ 4 ] واتفقوا على خلع هشام [ 5 ] ، وهتفوا بإبطال الخلافة جملة لعدم الشاكلة ، ونفوا عن المروانيّة والناصرية السداد ، ورجعت قرطبة إلى تدبير الوزراء ، وترك الدعاء / لأحد . ونزل هشام إلى ساباط الجامع المفضي إلى المقصورة في من تألّف إليه من ولده ونسائه ، فحصل في الساباط طارحا نفسه على الجماعة ، مستغيثا بهم ، وينشدهم اللّه في مهجته ، فأعلم بكره الناس له ، فقال : ليت أنّي قرب البحر فترمون بي في لجته ، فتكون أخفى لشماتتي [ 6 ] ، وأروح لنفسي ، فافعلوا بي ما شئتم ، واحفظوني في ولدي
--> [ 1 ] ب م : الخابط . [ 2 ] ط د س : بكف الأذى . [ 3 ] ب م والبيان : ألقي . [ 4 ] ط د س : الملأ . [ 5 ] ط د س : على خلعه . [ 6 ] ط د س : فيكون أشفى لشاني ؛ والبيان : فيكون أخف لشاني .