ابن بسام

327

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وقلنا [ 1 ] : دين المسيح ، يعبده كلّ مليح ، فطفنا حول الدنان ، بمصابيح الرهبان ، وما زلنا نسمع باقتراح ، ونشرب على ارتياح ، ونصل اغتباقا باصطباح ، حتى شبّت مصابيحنا لقفّال [ 2 ] ، وحان أوان ظعن وارتحال ، فخرجت كالمقلة استلّت من الأشفار ، والنفس انتزعت من فلوذ أعشار [ 3 ] ، ثم ارتحلت [ 4 ] من الغد عن مقام كريم ، إلى عذاب أليم ، لا أملك فيه أدمعي ، ولا أجد نفسي معي ، وسرنا بين جبال وحشة ، ومياه دهشة ، فصاردتنا [ 5 ] من ريح عاد ، ذات صرّ وأبراد ، أضرمت نار البرحاء ، وكظمت أنفاس الصّعداء ، ومن أخذ بكظمه كيف يرجو الحياة ، ومن أطبق بغمّه أين يجد النجاة [ 6 ] ؟ ! وما شكّ غمام الثلج [ 7 ] المنثور ، أني من أصحاب [ 118 أ ] القبور ، فجعل يهدي إليّ حنوطا وذرورا ، ويندف عليّ قطنا وينثر كافورا ، فلما تمّت الأكفان ، وصحّ الاندفان ، طلعت إليّ غرّة الحاجب سيف الدولة أبي الفتوح ، فقمت وقد انجلت عني المحن ، وانتفضت فطار القبر والكفن [ 8 ] ، ومدّ إليّ يد الرضوان ، وغمسني في نهر [ 9 ] الحيوان ، فجعلت أطرف كما يطرف الفجر في سدفة الليل ، وأنبت كما تنبت الحبّة في حميل السيل ، / ورأيت ملكا تقرأ النفاسة بين عينيه ، وتبصر الرئاسة طوع يديه ، حلّي السيف باسمه فرقّت مضاربه ، وتوّج الملك مفرقه [ 10 ] فعزّت جوانبه ، جواد يندى في كفّه الجماد ، وتقدح بنبله الزناد ، ويقتبس من وجهه الكوكب الوقاد ، وعلى أعراقها تجري الجياد ؛ كيف يعجب للسيف أن يقطع ، ومن حديد الهند طبع ، وللبدر أن يشرق ، ومن نور الشمس استرق ، وللبحر أن يزخر ، وعن الريح المرسلة أخبر .

--> [ 1 ] ط د : وقلت . [ 2 ] يشير إلى قول امرئ القيس ( ديوانه : 31 ) : نظرت إليها والنجوم كأنها * مصابيح رهبان تشب لقفال [ 3 ] المسالك : أسفار . [ 4 ] ط د س والمسالك : رحلت ؛ المسالك : من غد . [ 5 ] ط د س والمسالك : فصادرتنا . [ 6 ] ط د س : المنجاة . [ 7 ] ط د س : الثلوج . [ 8 ] يستعير بعض قول المتنبي : كم قد دفنت وكم قدمت عندكم * ثم انتفضت فزال القبر والكفن [ 9 ] المسالك : بحر . [ 10 ] المسالك : في مفرقه .