ابن بسام

328

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وفي فصل : فلما كمل المراد ، ووقفت حيث وقف الاجتهاد ، كتبت إلى ذي الوزارتين الكاتب أبي محمد ابن عبد البرّ أستريح إليه بأنبائي ، وأصف ارتجاج الجوّ من برحائي ، رقعة أقول فيها : سيدي وسندي ، وسهمة يدي ، ونعمة أبدي ، ومن أبقاه اللّه معافى من النوب ، موقى من وعثاء السفر وسوء المنقلب ، كم للّه من منن جزيلة ، وأياد جميلة ، وعوارف وكيدة ، وعواطف حميدة ، وإن أولى نعمة بالشكر ، وأحجى قسمة بالذكر ، نعمة صرفت بأساء ، ومسرّة دفعت غمّاء ، وإني كتبت بعد حال متى حوسبت بها فهي الموتة الأولى ، أو جوزيت عليها فلي النجاة الطّولى ، لأن اللّه أكرم من أن يميت أكثر من ميتتين ، أو يعذّب أحدا عذابي [ 1 ] مرتين ، مع ما منيت به من تطاول الأسفار ، ومقاساة الضّرار ، ولو [ 2 ] أن هذا يكون مع صدق وأمل ، ونجح وعمل ، لبرّد غليلا ، وكان تعليلا ، فكيف وما هو إلّا رجاء سراب ، ووجدان حساب . وإني فصلت من ألش [ 3 ] والشمس مجلوّة الناظر ، والجوّ كمقلة الساهر ، فما / كان إلّا ك « ما » حتى التقت عليه أجفان الغمام ، ثم هلّت إليه هلّ الدموع السجام ، وصرنا بين صعيد زلق ، وسماء طبق ، ينثر قطره نبالا ، ويمطر وبله وبالا ، وما زال الرعد يقصف ، والمزن يكف ، حتى خلت البحر صار سقفا ، والسماء قد أسقطت عليّ [ 4 ] كسفا ، واستنجز القضاء ، والتقى الماء والماء ، فكلّما أوينا إلى جدار كاد ينقضّ ، أو لجأنا إلى قرار خسفت به الأرض ، وقلنا : سنأوي إلى جبل يعصمنا من الماء [ 5 ] ، ويقينا معرة هذه البأساء ، فما كان إلّا أن لذنا بجانب الطور الغربيّ ، وأسندنا إلى هضبة [ 118 ب ] الفسطاط الشرقي [ 6 ] ، وهناك [ من ] يشرح لك سرّه ، ويوضح عندك أمره ، فكأنّ اللّه قد تجلّى للجبل فجعله دكا [ 7 ] ، أو كاد موسى ينتقه علينا نتقا ، فانحدر [ 8 ] هضابا ، وتقطّع آرابا ، وأهوى

--> [ 1 ] ط د س : عذابا . [ 2 ] ط د س : ولولا . [ 3 ] ب م : الشيء ؛ ط د س : عن فلانة ؛ وألش ( بتسكين اللام ) : بينها وبين أوريولة خمسة عشر ميلا ، ومنها إلى لقنت مثل ذلك ( الروض المعطار : 31 ) . [ 4 ] ط د س : علينا . [ 5 ] ناظر إلى الآية : قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ( هود : 43 ) . [ 6 ] س : هدبة ؛ ط د س : السري . [ 7 ] انظر الآية 143 من سورة الأعراف . [ 8 ] ب م : فانخر .