ابن بسام

326

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وفي فصل : ثم خرجت بعد إلى المظفر [ الرئيس ] أبي مناد ، فكأنّ أيام طريقي إليه ، كانت كفّارة لما أصررت في المريّة عليه ، وتمحيصا لذنب شرب [ 1 ] المزر ، وتضييع حقّ الخمر [ 2 ] ، ولم أر في التناقض عليّ عارا ، / ولا قنعت بإبهام السرّ حتى يكون [ 3 ] جهارا ، فعوّضني من وقود الراح ببرد الرياح ، ومن دبيب العقار بسكوب الأمطار ، ومن هدير الكيزان [ 4 ] بنعيب الغربان ، ومن أنس الخيمات بوحش الفلاة ، حتى أتيت حضرة الرئيس الأجلّ فألفيته غائبا ، فكتبت إلى الوزير أبي عثمان رقعة أقول فيها : إذا كانت بأساء إثر نعماء ، ومسّت ضرّاء بعد سراء ، وافقت كاهلا لدنا فأثقلته [ 5 ] ، وخاطرا رطبا فأوحلته ، وإني [ 6 ] فصلت عن تلك الحضرة بعد أيام كأيام الشباب ، وليال كذوائب الكعاب ، سكنّا منها في السواد من القلوب ، وسلكنا بين المخانق [ 7 ] والجيوب ، أنقل من يد إلى يد ، وأحمل بين جفن وخلد ، إن ظمئت سقيت برد السرور على الأكباد ، أو طربت أطعمت حلاوة الوداد في الإخلاد [ 8 ] ؛ وللّه يوم « التاج » و « الزاهر » ، عند الملك الماجد الباهر ، فيا له من أنس وطيب ، بين الخورنق والكثيب ، في مجلس كأنما [ 9 ] ألّفت قواريره من خدود وثغور ، وثماره من نهود ونحور ، صعدنا فيه إلى العلياء ، وصرنا كأنّنا من أهل [ 10 ] السماء ، نشرب النجوم بالأقداح ، ونحيي الجسوم بالأرواح ، فبتنا فاكهين فرحين ، نزمر بالكئوس ، ونرقص بالرءوس ، ونثاقف الإخوان ، ونواقف الندمان ، مواقفة الكرام ، بشرب المدام ، لا بحدّ الحسام [ 11 ] ، نسقي ودّ الصديق للصديق ، ونطلب الصّبوح بثار الغبوق ، حتى أخجلنا الشمس بضياء الراح ، وقمنا نقد [ 12 ] / السراج من ضوء الصباح ،

--> [ 1 ] ط د : شربي . [ 2 ] س : وتضييعي ؛ ب م : الخمس . [ 3 ] ط د س : كان . [ 4 ] ط د : مديد الكيذان ؛ ب م : غرير الكران . [ 5 ] ب : فانقلبت . [ 6 ] عاد العمري إلى النقل من هذا الموضع . [ 7 ] ط د : الترائب . [ 8 ] المسالك : الوجاد في الأجلاد . [ 9 ] ب م : كما . [ 10 ] ب : أعلى . [ 11 ] ب م : نشرب . . . لا تجرب بالحسام ؛ المسالك : لا بحرب الحسام . [ 12 ] ط د س : نعد .