ابن بسام

31

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وصولي بلنسية [ 1 ] ، متخلّصا من يد المحنة ، متلبسا للّه فيها أعظم المنحة ، أن تدارك في غمراتها ، وجلّى المسودّ من هفواتها ، فلله الحمد كثيرا ، والشكر نضيرا ؛ وإني بلوت من إجمالك في حالتي شدّتي ونجاتي ما عقل اللسان ، وقبض البنان ، وأخجل الحوادث حتى كفّت من اعتدائها ، وألوت تعثر في استحيائها ، فإن أثنيت فمقصّر عنك الثناء ، وإن دعوت فإلى اللّه يرفع الدعاء . وتلقّاني بطريقي كتابك الرفيع فتملكني برّه ، وحيّاني بشره ، وعظم عندي قدره ، فلله ما تبديه من فضل وما تسرّه ، وللّه درّ الوزير الأجلّ أبي بكر ، جوزي بوفائه ، وفسح اللّه له في ظلّه وبقائه ، فإنه ما اكتحل في كربتي بنوم ، ولا تمتع بمسرّة في يوم ، ولقد كانت قذى عينيه [ 2 ] ، حتى حلّني من وثاقها بيديه . ومن أخرى خاطب بها المظفر [ 3 ] صاحب لاردة قال فيها : إن اللّه تعالى يصرّف الأمور كيف يشاء ، له النعماء [ 4 ] والبأساء ، فإن عافى واصل المنن ، وإن امتحن أحسن ، لأنه يمنح الأجر الذي هو أسنى ، ويعود بعوائده الحسنى ، وما المرء إلا كالنصل ، يشحذ بالصّقل ، تنفذ عليه الأقدار ، ليقع / الاختبار والاعتبار ، ويبدو له الزمان وأهله ، وحيث منبت الفضل وأصله ؛ وكان لك - أيدك اللّه - من التهمّم بجانبي ، والارتماض لنوائبي ، ما أطاب ذكرك ، وأبان قدرك [ 5 ] ، وأخبر أنّ الجميل من سجاياك ، وأن محاسن الدهر بعض حلاك . ولما تخلّصت من تلك الأشراك ، وأذن اللّه منها - وله الحمد - بالانفكاك ، أسرعت إلى قضاء حقّك وإنه لأعزّ الحقوق ، وتوفية الشكر لك بباهر مجدك السابق غير المسبوق ، والثناء على أنعم اللّه تعالى قبل كلّ شيء وبعده التي جلّت عن الإحصاء ، وجلت من الغمّاء . وقد أوليت ما أثبت لك في الرقاب رقا ، وما تخبّ به الركائب غربا وشرقا ، وإن المستقلّ بي والجاذب بضبعي لمحيي ميت [ 6 ] الوفاء ، ومحرز جزل الثناء ،

--> سنة 501 بسرقسطة ، ثم انتزعها منه الملثمون سنة 503 ( انظر أعمال الأعلام : 175 ، والمغرب 2 : 438 ) . [ 1 ] ط د س : من بلنسية . [ 2 ] مأخوذ من قول الشاعر ؛ وهو إبراهيم الصولي : سأشكر عمرا إن تراخت منيتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلت رأى خلتي من حيث يخفى مكانها * فكانت قذى عينيه حتى تجلت [ 3 ] زاد في ط د س بعد كلمة المظفر « أخاه » ؛ والمظفر يوسف بن سليمان ( حسام الدولة صاحب لاردة ) هو أخو أحمد المقتدر وليس بأخي عماد الدولة ولهذا اقتضى حذف الزيادة تخلصا من الاضطراب . [ 4 ] ط د س : النعمة . [ 5 ] ب : ذكرك ؛ م : وأبان اللّه قدرك . [ 6 ] س : نبت .