ابن بسام
293
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
يلوم على أن ظلت للعلم طالبا [ 1 ] * أجمّع من عند الرواة فنونه وأكتب أبكار الكلام وعونه * وأحفظ مما أستفيد عيونه فيا حاسدي [ 2 ] دعني أغال بقيمتي * فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه الردّ : في هذا البرسام غريبتان ، إحداهما مقالة الحاسد الذي يكسر عليه أرعاظه ، قوله : « دعني أغال بقيمتي » ، هذا جواب الأولياء ، لا جواب الحسدة والأعداء ، والأخرى تحريفه الشعر عن وجهه ، وصرفه عن كنهه ، ولو تبيّن وقرأ طرائق الشعراء ، ومذهب الفصحاء والخطباء لما استجازه ، ولأجاد نقده وإحرازه ، فهذا الشعر لأحمد بن المعذل مشهور مأثور : غزال سقيم اللحظ يخفي أنينه * ويضحي كئيب القلب عندي حزينه ونسي نفسه أبو الحسن في تأمّل البيت الأول : وكيف يجتمع فيه « كئيب / القلب » « كئيب البال » وكيف يكون حزين البال ، والشاعر منزّه عن هذا السّقط ، مبرّأ من مثل هذا الغلط ، ولم ينظر بالعين الجليّة ، فيرى فساد القضية ، وأن الحسود ليس من رسمه ، ولا من رسم العرب في وصفه ، أن يلوم على طلب العلم ، ولا يراجع بمثل هذا الرفق ، وإنما أراد أحمد بن المعذل أن من هو إلفه وأنسه ، فتغرب عنه إلى طلب العلم نفسه ، يلومه على تشاغله عنه ، وتباعده منه ، وأومأ إلى صبره وجدّه في طلب العلم وبحثه ؛ وقول أحمد ينظر إلى قول كثير [ 3 ] : [ 106 أ ] إذا ما أراد الغزو لم تثن همّه * حصان عليها نظم درّ يزينها وقال الحسن [ 4 ] : تقول التي من بيتها خفّ مركبي * عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغنى متطلّب * بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت وعزّتها سوابق أدمع * جرت فجرى في جريهنّ عبير
--> [ 1 ] المحاضرات : رحت في العلم دائبا . [ 2 ] كان حق هذه اللفظة أن تصبح : « فيا عاذلي » أو « فيا لائمي » ليطرد ما يبنيه ابن أرقم في ما يلي . ( قلت : هذا ما ورد في الطبعة الأولى ، وكذلك هي اللفظة « عاذلي » في محاضرات الراغب ) وفي معجم الأدباء : ( فيا لائمي ) . [ 3 ] ديوانه : 242 . [ 4 ] ديوانه : 99 .