ابن بسام
292
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فصول من خطبة ابن سيده مما نقد ابن أرقم عليه [ 1 ] ذكر الخضاب فعابه ، وذكر من خضب فسفّهه وجانبه ، وقال : هذا خطيب [ 2 ] اليونانيّة غليانش ، وهو الذي يوثق بكلامه ويستأنس ، قد قال : إن التسويد من الزينة الأنيثة ، فلا يستعمله من الأنام إلّا أهل الطينة الخبيثة . الردّ : تأمّلوا واعتبروا يا أولي الأبصار ، قد علم الكبير والصغير ، والخطير والحقير ، أنّ الشيب معيب ، وأن السواد مرغوب ، وأن آدم عليه السلام لما رأى شيبة بلحيته فزع منها ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم روي عنه الخضاب ، وأما صحابته الأكرمون ، وعترته الطيبون ، فكلهم خضب شيبه وغيّره وستره ، ولما جيء [ 105 ب ] بأبي قحافة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورأسه كالثغامة قال عليه السلام : « هلا غيرتموه » ؛ وكان معاوية حيث كان من الجلالة والأصالة ، له خاضبة تخضبه بالسواد ، ولما فرغت مرة من خضابه أنشدته [ 3 ] : هل عندك [ 4 ] اليوم شكر للتي جعلت * ما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم / وفي السواد إغلاظ على العدوّ ، وتجمل للأهل ، وتسكين للروعة من الشيب ، وتأنيس للنفس ، وتعليل للقلب ، وهل هذه النكتة من أبي الحسن تخفى ، أو هذه الزرعة يكتتم فيها فحوى ، أو يستتر لها مغزى ؟ ! . وقال في فصل منها : « والحسّاد في كلّ ذلك تكسر عليّ أرعاظها [ 5 ] ، ولا تفتر من النظر إليّ ألحاظها ، وأنا أنشدهم ما أنشدته عن أبي العلاء صاعد بن الحسن الربعي عن أبي رجاء الضبعي [ 6 ] : حسود كئيب القلب يخفي أنينه * ويضحي كئيب البال عندي حزينه
--> [ 1 ] لم يرد هذا القسم كله في ط د س . [ 2 ] ب م : خضيب خطيب . [ 3 ] البيت في العقد 3 : 50 ، والشريشي 2 : 101 ، والمستطرف 2 : 210 وبعده قوله : وجددت منك ما قد كان أخلقه * طول الزمان وصرف الدهر والقدم [ 4 ] الشريشي : أليس عندك . [ 5 ] الارعاظ : السهام ؛ وكسر عليه إرعاظ النبل : اشتد غضبه عليه ، وهذا مثل ، انظر : الميداني 1 : 24 . [ 6 ] ورد ثلاثة أبيات منها في محاضرات الراغب 1 : 32 ( 1 : 13 ) منسوبة لابن طباطبا ، وهي في ترجمة أم طباطبا في معجم الأدباء 6 : 289 ( مرغوليوث ) .