ابن بسام
290
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وذكر أبو حاتم في « التذكير والتأنيث » عن عمارة بن عقيل ، وأنشد الصولي في كتابه « في الشبان » لبعض قريش يوم فتح مكة : خزرجيّ لو يستطيع من البغض * رمانا بالنّسر والعوّاء وأخذ على جميع المؤلفين بحقّ وباطل ، ولولا الاشتهار في الأمر ومذهب الاختصار لأوردت منه الجزيل الطويل ، والموصوف المعروف ، والكثير الغزير ، والموجود المعدود ؛ ولكنّ هذا الرجل أبدى عواره ، ورفع شناره ، وكان مستورا موفورا ، يقلّد فيه ، وينصت لدعاويه ، ويحتمل على المعرفة سرائره ومباديه ، فأساء أدبه ، وهتك حجبه ، وفضح مذهبه : لم تكن عن جناية لزمتني * لا يميني ولا شمالي رمتني [ 1 ] بل جناها أخ عليّ كريم * وعلى أهلها براقش تجني ويشهد اللّه لقد كنت أيام محاولته لإطفاء نوري ، ومبادرته تقبيح الحسن / من أموري ، أذكي أنواره ، وأطلع أقماره ، وأرفع للسّاري مناره ، وهو يدبّ الضراء ، ويسرّ حسوا في ارتغاء ، ويمالئ الحسدة والأعداء ، ويحارب معهم الأولياء ، فجاهر بكتم ذكاء ، وخسف نجوم السماء ، ولم ينظر حتى يكون التقديم مع المشاهدة والحضور ، فيعذر في تقصير لو كان أو تعذير ، على أن [ 2 ] الخلة ، وشرط الأخوّة والمروّة ، أن يناضل بظهر الغيب ويحامل ، ويناصب دون الباطل ويجادل ، بحكم الأدب ، الذي هو أمسّ رحم وأوكد نسب ، فكيف بتزييف [ 3 ] المنتقد ، وتضعيف القويّ ، وطمس الشمس ، وردّ العيان ، والمجاهرة بالإفك والبهتان ، وصدّ ما تقوم به الحجة بما لا تقوم له حجّة ولا برهان ، وما زلنا نشاهد الشيوخ يحسنون التأويل ، ويسترون الخلل الجليل ، فلم يجر أبو الحسن على سننهم ، ولا تأدّب بأدبهم ، وكم أعرضت عن تصانيفه ، وربأت بتواليفه ، كردّه على يعقوب في « إصلاح المنطق » بما هو المردود المحدود ، والمكروه المنجوه [ 4 ] ، وكخرافاته المضحكات في « شرح الحماسة » وك « المحكم » الذي ليس له معلم ، و « المخصّص » [ 105 أ ] الذي لو كتب بالسين لكان أشبه بصفته ، وأليق بحليته ، وأكثر هذا الكتاب
--> [ 1 ] البيتان لحمزة بن بيض ، انظر : الميداني 1 : 311 والمثل : « على أهلها تجني براقش » . [ 2 ] د ط س : على رأي . [ 3 ] د ط س : بتزيد . [ 4 ] ط د س : والمحدود . . . والمنجوه .