ابن بسام

206

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أبعد جوازها على العقول ، وأقلّ نفاقها عند ذوي التحصيل ، وأخلق بها من شبهة [ 1 ] أن تنجلي ، ومن ضرم إحنة أن تنطفي . ومن أخرى يصف خبر نكبته [ 2 ] : ورأيت ما تعلّق ببالك من معرفة حالي ومجراها ، في حدّها ومنتهاها ، وفي شرح ذلك خطب ثقيل ، وشغب طويل ، جملته : أنّ الذي كتب على لساني أوسعه ثلبا في قول تقوّله عليّ ، واستخفاف نسبه إليّ ، وعلم اللّه تعالى براءة ساحتي من ذلك ، ونزاهة نفسي عنه ، لكن الطبائع الخبيثة تقبل سريعا من أجناسها ، ولم تزل تتزيّد وتكثر حتى فار الإناء بما فيه ، وأبرز ما كان ينطوي عليه ويخفيه ، وليس عندي في ذلك أكثر من أنّ الأقدار تعمل أعمالها ، وتظهر في البشر [ 3 ] عللها وأفعالها ، والذي يغمّني من ذلك ويهمّني جدّ لا ينفكّ من عثار ، وحال لا تزال في خمول وإخمال ، وقطع عمري في كدّ وذلّة ، وجهد وقلّة ، وتصرّف لا ترضى به آلاتي ، واتّضاع ترفعني / عنه أدواتي ، بحيث يتقدم الجهل على النبل ، ويستطيل ما شاء على الفضل ، وتنال الرّتب بالمخارق ، وتعطى الكوادن حظوظ السوابق ، ولم أزل أصبر من ذلك كلّه على ما يشيب رأس الوليد ، ويذيب الحديد ، ويهدّ الرواسي هدّا ، ويحدث للجماد غيظا ووجدا ، لئلا يقال مضطرب يقلق ، وعجول لا يتأتّى ولا يرفق ، حتى آلت الحال إلى هذا المآل ، وبلغ الكتاب أجله في الانفصال ، فاعجب يا سيدي مما يدفع الإنسان إليه من شقاء يقاسيه ، وعناء يعانيه ، ومحن يغشاها [ 74 أ ] ألوانا ، ونوب تفترق عليه أقرانا ، ومغايظ تطرف الناظر بقذاها ، ويعرض في مجاري الأنفاس شجاها ، وتقطع النفس أنفسا ، وتحيل العيش أبؤسا ، ويأبى الروح مع ذلك لشقاوته إلّا أن يكون حافظا لحياته ، حتى يتعذّب [ 4 ] بكلّ ما عددته ، ويتألّم من جميع ما سردته ؛ فليت شعري : لم هذا ؟ وعلام الرغبة في الازدياد ، وهذا الحرص على التماد ؟ ولو أنّ الأيام كلّها في نعيم محتفل ، وسرور متصل ، لما كان ذلك إلّا بمنزلة ظلّ زائل ، ولم يحل منه بطائل ، إن هذا لطموس أضلّ الألباب فلا تدري الرشاد ، وأفسد الأفكار فلا تعلم ما المراد [ 5 ] .

--> [ 1 ] ب م : شبة ( صوابها : شبه ) . [ 2 ] د ط س : وله من أخرى . [ 3 ] ط س د : ويظهر بالبشر . [ 4 ] د ط س : يعذب . [ 5 ] ط د س : وأفسد الأكوان . . . السداد .